مقدمة

كثيراً ما فكرت بكتابة مذكراتي .. أقول لنفسي : يا عبدالرزاق ، لقد تجاوزت الستين ، وعايشت أهم أحداث هذا البلد منذ أواخر الأربعينات .. وكنت لصيقاً ببعضها حتى أدق التفاصيل ، لاسيما الحركة الشعرية التي كان معظم شعرائهـا أصدقاءك ، وزملاءك ، ومعاصريك .. وهي ذمـة في عنقك، وأمانة للتاريخ يوجبها تساؤل الأجيال القادمة، خصوصاً وأنت تعرف الكثير مما لا يعرفه سواك .

 

 عندما أصل الى هذا الحد من القناعة ، أشعر بالرضا بل وبالسعادة أحياناً لأنني اتخذت القرار .. ثم ما ألبث أن أفقد طمأنينتي كلها حالما أفكر بوضع منهج لمذكراتي!

 

 من أين أبدأ ؟.. وبماذا أبدأ ؟ .

 

أأجعلها مراحل زمنية فأساير عمري ابتداء من الطفولة المبكرة كما فعل قبلي كثيرون ؟ . وهب أن مرحلة الطفولة يسـهل احتواؤها لأنها مقتصـرة على البيت ، والمدرسة ، وقليل من التفاصيل المحصورة في محيط ضيق .. ولكن ماذا ترانا صانعين حين نتجاوز مرحلة الطفولة الى الصبا ، ثم الى الشباب ، ثم الى ما بعده ؟! .. من أين يتأ تّى للذاكرة أن تلملم تفاصيلها وتُسلسلها ، حين تتشعب الذكريات وتتداخل بين الشعـروالأدب والسياسة ، والبيت والدرا سة،والعلاقات الاجتماعية بكل تشابكاتها ، والأبداعية بكل ظواهرها ؟ . وأيّ مقصّ حاذق يستطيع أن يمنع انثيال الأحداث وتشابكها ، فيقطعهاحيث يستحسن القطع ، ويطلقها حيث يحمد الإطلاق ؟

 

 مراراً كدت أصاب بالإحباط ، وبالـيأ س من المحاولة . ليس سهلاً أن يقف المرء على مساحة نصف قرن زاخر بأعظم الحرائق ، وأكبر الفيضانات..وهو وسط اللهب هنا ، وفي قلب اللجة هناك .. ثم يدّعي أنه يستطيع أن يفرزالشرار عن بعضه، ويلاحظ كل شرارة متى اندلعت ، وأين انطفأت . وأن يتابع كل موجة ، من أية لجة بدأت .. وإلىأي شاطيء انتهت .

 

 وأِذ أصل الى هذا التصور ، أحس بأن المادة الهائلةالمتراكمة في ذاكرتي أكبر من أن أ ستطيع برمجتها..ويسلمني هذا الأحسا س الى الشعور بعقم المحاولة فأتركها.. ولألف سبب وسبب، أعود اليها من جديد .. لصديقٍ يستعديني بكتابته.. لصديق آخر يستفزني بمطالبته.. لصورة تملأ عينيّ دفعة واحدة ، قاطعة ثلاثين أو أربعين عاماً في ثوان لتسقط على بقعة من حياتنا الآن فتملأها بالضوء ، وأدري أن لا أحد يدري بها أو يراها سواي .. فأحسّ من جديد بـأنّعليّ أن أكتب ! .

 

 ومرّت أيام .. فجـأة برقت في خاطـري الفكرة

 

التالية : سأسمي ما سأكتبه { ذكريات } لا { مذكرات }.. أولاً لأحساسي بأ نها ستكون أكثر عفوية ،وأكثر مدعاة إلى التسامح في حالتَي النسيان أو التناسي . وثانيـاً ، لأنها سـتكون أميل الى الإنتقائية .. فأنا لا أُنطِق ذاكرتي ، ولا أستنطقها،ولكنني سأسمعها اذا تكلمت . أما هي فستتكلم حين تشاء ، وكما تشاء ! .

 

 والتمعت أمامي فكرة {الموضوعات} . قلت :الشعر ألصق أنسغة حياتي بي ، وأكثرها امتلاء بالماء ، وربما باللهيب أيضاً .. فبه سأبدأ .

 

 حين قررت ذلك ، بدأت أحسّ بأول الطمأنينة . وساءلت نفسي : هل سأبدأ بحياتي الشعرية منذ بواكيرها..وعبر مراحلها المختلفة ؟ . أحسست عندئذٍ أنني مقبل على كتابة سيرة ذاتية ، لا ذكريات شـاملة تتسع للأحداث ،وللتيارات ، وللآخرين الذين هم المفاصل الأشد تأثيراً فيحركة الجسد الشعري في العراق .

 

 هنا وصلت الى هذ ه القناعة : أن أبدأ أولاً بأضاءة أبرز الوجوه الشعرية التي عايشتها ، محاولاً استرجاع أدقّ معالمها الإنسانية ، وخاصـة ما أعرفه أنا ، وقد لا يعرفه سواي. فإذاً ما دخلت في مساحتها الأدبيـة عبر علاقا تها ببعضها ، وعبر الأحداث التي عشناها معاً، أكون قد رسمت سلفاً صورة سابقة لشخصيا تها ، تساعد على فهم أدوارها في حياتنا المشتركة أولاً، وفي الإنعطافة الشعرية الكبيرة التي ابتدأت في العراق في أوخر الأربعينات ، وامتدت إلى الوطن العربي كله ثانياً .

 

 بهذا سأبدأ كتابة { ذكرياتي}،حتى اذا ما انتهيت من استخلاص أعزّ ما في منجمها الشعري من تداعيات ،بدأت بالبحث عن منبجس آخر للذكريات ..

 

 وهكذا أفضح هنا أنني لم أخطط لشيء ، انما سأترك لذاكرتي أن تقود قلمي الى أعزّ كنوزها ، وألصقها بحيـاةالناس آنذك ، بكل عفويتها .. وبكل صدقها وأمانتها .

 

 

 

 

 

 

 

 مقاهي وشعراء

 

( 1 )

 

 

 

*

 

كنت طالباً في الصف الأول من دار المعلمين العاليـة ، يوم ألقى الجواهري قصيدته الهائلة { أتعلم أم أنت لا تعلم } في جامع ( الحيدرخانة ) . كان ذلك عام 1947 .

 

حتى هذه اللحظة ما أزال أذكر كيف انقطع شارع الرشيد من ساحة الميدان حتى ساحة الرصافي .. وفوق الرؤوس المحتشدة في الشارع ، كانت مكبرات الصوت الممتدة الى الساحتين تنتظر .. وملء الشارع كان الناس ينتظرون .

 

كنت ممن حالفهم الحظ ، فاستطاعوا الوصول الى الجامع في وقت مبكر .. إلا أنني حشرت بسبب الأزدحام الشديد خلف أحد الأعمدة في ساحته ، ولم أستطع رؤية الجواهري وهو يتهدّج منشداً ، لفرط ما التصقت الأجساد ببعضها . وكُتمت الأنفاس .. وبدأ طوفان صوت الجواهري :

 

 أتعلمُ أم أنت لا تعلمُ

 

 بأنّ جراح الضحايا فمُ

 

منذ ذلك اليوم ، ولمنطقة ( الحيدرخانة ) في نفسي جلال مبهم لم تخفف من هيمنته ألفة السنين الطويلة التي قضيتها بين مقاهيها بعد ذلك . الغريب أنّ هذه المنطقة انفردت من بين جميع أحياء بغداد ومحالّها بأن احتوت المقاهي الأربع أو الخمس ، التي كان يرتادها الشعراء والأدباء في تلك الأيام وأهم هذه المقاهي مقهى ( حسن عجمي ) .

 

 هرم من السماورات اللماعة ، تمتد قاعدته على جانبي الموقد ، ثم يصعد متسلقاً حتى يكاد السماور الذي في قمته أن يلامس سقف المقهى . وأمام قاعدة هرم السماورات يمتد صفّ طويل من الأراجيل بألوانها المختلفة . وعلى مساحة مائة متر مربع تقريباً ، التي هي مساحة المقهى كلها ، تمتد التخوت بخطوط متوازية متقابلة ، وبينها يتحرك { شفتالو } صانع المقهى القزم ، حركته الدائبة التي لا تنقطع .

 

 لا أظنّ أن أحداً من أدباء بغداد لم يسمع بمقهى حسن عجمي ، أو لم يدفعه الفضول للجلوس فيها . إنها تذكرني دائماً بمقهى زقاق المدق في القاهرة ! . كما أظنهم جميعا ًيعرفون مقهى ( الرشيد ) ، ومقهى(البرلمان) ، ومقهى (خليل ) ، على قلّة ارتياد أدباء الخمسينات لهذا الأخير .

 

 هذه المقاهي الأربع أو الخمس ، إذا أضفنا إليها مقهى ( الزهاوي ) ، تقع جميعها في منطقة الحيدرخانة .. تقابلها ( البرازيليتان ) ، مقهى البرازيلية الشتوي في شارع الرشيد بين { سيّد سلطان علي } ومحلة { المرَبْعة} ومقهى البرازيلية الصيفي ، كما كان يسمى ، ويقع في الباب الشرقي. المقاهي الأربع الأولى كانت تلتقي فيها الغالبية العظمى من الشعراء : رشيد ياسين ، بدر السياب ، محمود البريكان ، أكرم الوتري ، وحسين مردان..ثم الجيل اللاحق من الشعراء : سعدي يوسف ، كاظم جواد ، محمد النقدي ، موسى النقدي ، رشدي العامل ، راضي مهدي السعيد ، زهير أحمد ، كاظم نعمة التميمي ، وعبدالرزاق عبدالواحد *

 

أما البرازيليتان ، فكان يلتقي فيهما بلند الحيدري ، وعبدالوهاب البياتي ، والقاص عبدالملك نوري ، والروائي المعروف فؤاد التكرلي ، والأديب نهاد التكرلي . الوحيد الذي كان يتأرجح بين الجهتين هو بلند الحيدري الذي كان غالباً ما يُرى فيهما معاً في اليوم نفسه ! .

 

مقاهي الحيدرخانة كانت شعبية مكتظة ، كثيرة الحركة ، شديدة الضوضاء .. يتخلل لغطها صياح باعة الحَب ، والسميط ، والسكائر ، والصحف اليومية ..بينما تتمتع البرازيلية بالهدوء ، وبمسافات مريحة بين الجالسين ، وبإطلالة مترفعة على الرائحين والغادين في شارع الرشيد من خلف واجهة زجاجية شديدة اللمعان .

 

لم يكن الفرق بين المجوعتين فرقاً مظهرياً .. لقد كان فرقاً "طبقياً " إذا جاز التعبير . لقد كان لكل فئة من هذه المقاهي سلوكها الخاص .. مثلاً أنت لا تستطيع أن تدخن الغليون في مقهى حسن عجمي دون أن يلتفت اليك باستغراب معظم الجالسين ! . وبنفس الدرجة ،لا تستطيع أن تدخن الأرجيلة في البرازيلية حتى لو جلبتها معك من البيت ! .. أما ثمن الجلوس في مقاهي الحيدرخانة فعشرون فلساً ، يقدم لك مقابلها شاي عراقي صميم ، باستكان مذهّب ! . بينما ثمن الدخول في البرازيلية خمسون فلساً .. تتناول مقابلها فنجاناً من القهوة التركية،او شاياً بالكوب على الطريقة الأوربية ! .

الوحيد الذي كان يشكل علامة فارقة في المقاهي الأربع الأول هو الشاعر أكرم الوتري الذي كان من عائلة شبه مرفهة ، ولكنه ، وربما لسبب شعري محض ، كان ملازماً لمقاهي الطبقة الفقيرة التي كانت تغص بالمفاجآت والأحداث المثيرة ، بقدر ما كانت تغص بالشعر الحقيقي ، وبالمحاولات الجادة لتطوير القصيدة العربية ، وإغنائها .

 

~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

 

· ما كانت تفصل بين اعمار المجموعتين سوى سنتين او ثلاث سنوات ..

 ولكن تفصل بينهما أسبقية المجموعة الأولى في الحضور الشعري .

 

 

 

 * * *

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 مقاهي وشعراء

 

 ( 2 )

 

 *

 

 

 

من طريف ما كان يحدث في هذه المقاهي مثلاً ،أنّ عصبة الشعراء المتصعلكين ، كثيراً ما كانت تكتشف بعد تقاطرها على المقهى ، أن واحداً من أفرادها فقط يملك علبة سكائر ! . كان يفوّض أمره إلى الله ، ويضعها على المنضدة دون نقاش لكي يدخن الجميع ! ..وكان لابد من رقابة صارمة ، او أمانة صندوق على علبة السكائر، سيما إذا احتدم النقاش ، لكي لا يُستغل الهيجان بالتجاوز على حقوق الآخرين في علبة السكائر.. حتى ولو من قبل صاحب العلبة نفسه ! .

 

كنا نجيء أنا ورشيد ياسين مع بعض غالباً .. وكنت آنذاك أشتغل في أوقات الفراغ عامل صياغة هنا وهناك ، فأكسب بعض ما أسد به حاجة أسرتي ، وأحاول غالباً أن أخبّيء لنفسي درهماً مما كسبت . نقبل أنا ورشيد على مقهى الرشيد .. إلى جوار المقهى يوجد فرن للصمون .. نشتري صمونة من الدرهم الوحيد الذي أملكه .. أدفع ثمنها ، عشرة فلوس ، محتفظاً بالأربعين فلساً الباقية ثمن جلوسنا في المقهى أنا ورشيد .. وكان يقوم هو باختيار الصمونة بنفسه ، حارّةً ، محمّصة .. والخباز ينظر اليه شزراً لكثرة ما يقلّب الصمون ، حتى اعتاد عليه ، فصار يضحك كلما رآه مقبلاً ، وقد هيّأ له صمونة على هواه .. يأخذها رشيد ، ويكسرها بإتقان .. ثلث الصمونة لي ، وثلثان له .. مبرّراً ، بعقلانية رصينة ، أن حجمه أكبر من حجمي ، فهو يحتاج إذن الى تغذية أكبر ! . نحتفظ بقطعة الصمون حتى ندخل المقهى ، ونطلب الشاي ..فيكون استكان الشاي ونصف الصمونة غداءنا ، وربما عشاءنا أيضاً لذلك اليوم ! .

 

اطرف ما كان يحدث لنا في هذه المقاهي ، وقد حدث ذلك مراراً ، أننا بعد أن نشرب الشاي ، ويستغرقنا الحديث ، نكتشف أننا جميعاً ليس معنا ولا فلس واحد ! .. وأن كل واحد منا كان معتمداً على جيوب الآخرين .. وهنا تقع الطامة الكبرى . إن على واحد منا أن يبقى رهينة في المقهى إلى أن يعود واحد من المجموعة ومعه ثمن الشاي الذي شربناه ! . ولأنني كنت أضعف الناس ، وفي معيتهم .. فقد كنت أنا الرهينة غالباً ! . وحدث مرة أن خرجوا ، واعتمد كل واحد منهم على أن غيره سيعود حتماً .. ولم يعد أحد . وحين تأخر الوقت ، وأنا ألوب حرجاً وغيظاً ، التفت إليّ صاحب المقهى قائلاً :" أستاذ .. فات عليك الوكت ، تفضّل روح الله وياك ، والحساب على باجر أن شاء الله ! ."

 

من خصائص هذه المقاهي أنك تستطيع قراءة جميع الصحف ، وبعض المجلات أحياناً ، بأربعة فلوس . ومن طرائفها أنه إذا احتدم النقاش بين الجماعة ، فبإمكان من يملك عشرة فلوس فائضة ، أن يسكت الجميع ! ، وذلك بأن ينادي أبا الحب ، فينـزل هذا طبقه، ويضع كمية من حب الرقّي ينشغل بها المتناقشون ناسين احتدامهم وخلافاتهم ! .

 

للأمانة .. لم يكن الشعراء والأدباء وحدهم وجوه هذه المقاهي . لقد كان عدد كبير من ألمع الصحفيين ، والمحامين ، والمثقفين روّاداً دائميين لها . ما زلت أذكر أن الصحفي المعروف الأستاذ عبدالقادر البرّاك ، مرّ به زمن في أواسط الخمسينات ، كان كلما اشتغل في جريدة أغلقتها الحكومة بعد أيام، فكنا حين نراه في المقهى نسأله :" أستاذ عبدالقادر .. أي جريدة ستُغلَق قريباً ؟؟" .. فيقول :" والله بعد ما لكيت شغل !" .

 

وفي هذه المقاهي كانت شخصيات طريفة .. لعل أكثرها طرافة شخصية { شفتالو } عامل مقهى حسن عجمي .* وشفتالو قزم صغير ، كان آنذاك قد أ شرف على الأربعين .. ينقل بيننا الجرائد .. يسعفنا بالماء .. يتحمل كل تعليقاتنا عليه .. حتى إذا تمادينا في مشاكسته ، ردّ علينا بسيل مما لا يمكن ذكره من الكلمات ، فإذا لم نتّعظ ، أرفقها بحركات لا توصف ! .

 

 ربما يتساءل بعض القراء : كيف لم يكن لمقهى ( الزهاوي ) على شهرتها ، حيّز في حياتنا ؟ .

 

 في الحقيقة ، مقهى الزهاوي كانت ملتقى أدباء مخضرمين ، وشيوخ ثقافة مسنّين غالباً .. ولها سمت من الوقارتضيق به تمرّداتنا الشابة ! .. ثم أن صغر مساحتها ، ووقوعها على شارعين ، كان يثير في الانسان الإحساس بأنه جالس في وسط الشارع ! . لكل هذا لم نجد لدينا الرغبة يوماً من الأيام في الجلوس في مقهى الزهاوي ، مكتفين بخياراتنا الأربعة نتنقل بينها حيث اتسع لنا المكان !

 

قبل أن أختتم هذه الحلقة من ذكرياتي ، أروي للقاريء هذه الحادثة الطريفة التي حدثت لنا في مقهى الرشيد :

 

كنا مجموعة .. السياب ، رشيد ياسين ، اكرم الوتري ، حسين مردان ، وأنا ..وكنا نتحدث عن مجلة (الأديب) اللبنانية ، منتقدين انحياز صاحبها، ومزاجياته في النشر . فجأة خطرت لنا هذه الخاطرة الغريبة : أن نشترك جميعاً في كتابة قصيدة .. كل يقول بيتاً بالتعاقب ، مشروطاً بشرطين : أن لا يكون للبيت أي معنى ..وأن لا تكون له أية صلة بما سبقه !

 

بين الضحك والمزاح ، كتبنا قصيدة عجيبة ، اخترنا لها عنواناً طريفاً { أرجوحة القمر } ..وابتكرنا لها شاعرة سجلناها باسمها ، وعلى ذمّتها : ( سميرة العاني ) .. ثم أرسلنا القصيدة لوحدها ، وأرسل كل منا قصيدة من شعره الى المجلة .

 

الذي حدث كان في منتهى الطرافة . ظهر العدد اللاحق من مجلة ( الأديب ) ، وقصيدة سميرة العاني تحتل صدر المجلة ، داخل إطار مزخرف جميل .. بينما نشرت قصائدنا جميعاً في آخر صفحات المجلة ، وبعضها مع بريد القراء !! .

 

*صحح لي رشيد ياسين ، وهو ذو ذاكرة فريدة ، أن ( شفتالو ) كان يعمل في مقهى الرشيد لا في حسن عجمي ، ومكانة شفتالو في حياتنا تقتضي هذا التنويه !

 

 

 

 * * *

 

 

 

 

 

 

 

 رشيد ياسين

 

 ( 1 )

 

 *

 

 

 

قلت له يوماً وأنا في بيته ببيروت : أتمنى لو عدتَ إلى بغداد يا أبا نبيل .. فأنا واثق من أنك ستضع أمور الشعر في أنصبتها .. وستحدد لكل ذي قدرٍ قدره .

 

وعاد رشيد إلى بغداد ، ولكنه لم يكن رشيد الذي عرفته قبل عشرين عاماً ! .

 

هذا واحد من ألمع نجوم الشعر في سماء بغداد ، في أواخر الأربعينات وأوائل الخمسينات ، إن لم يكن ألمعها جميعاً .أمضينا معاً سنتين في الأعدادية المركزية كلانا في الفرع الأدبي ، ولكننا لم نتعرف على بعضنا . كنت أنا في شعبة ( ب ) ، ورشيد في شعبة ( آ ) ، وكان لكل منا عالمه .. كان ذلك عامي 1945و 1946.

 

ما زلت أتذ كر النشرة الجدارية التي كان يصدرها بمفرده . كان رساماً بارعاً ، وخطاطاً بارعاً .. وشاعراً وكاتباً مبكر الوضوح . وكان معتزاً باكتفائه الذاتي في كل ما يصنعه في تلك النشرة .

 

بعد أن توثقت الصلة بيننا ، اكتشفت أن رشيد كان ذا صوت شجي أيضاً ، حين يجوّد القرآن الكريم ، وحين يغنّي . على أن أبرز ما كان يميزه ، ثـقافته العميقة والواسعة على صغر سنه .. وأكثر ما كان يلفت النظر إليه ويثير الأعجاب به ، إتقانه اللغة الإنكليزية ، ومطالعاته بها في وقتٍ ندر فيه من يقرأ بالإنكليزية .

 

يوماً من الأيام ذهلت عندما علمت أن نبيل ، وهو ولده البكر ، قد قرأ مجلدات الفلسفة اليونانية باللغة الإنكليزية ، وا ستوعبها ، وهو بعد طالب في الثانوية ! قلت في نفسي : ومن يشابه أبه فما ظلم ! .

 

كان رشيد حيـن تعرفت عليـه ، يسكن في محلة ( الطاطران ) ، تحت التكية .. وكنت أسكن في (كرا دة مريم ) . كنا من عائلتين فقيرتين .. هو الولد البكر لتاجر انزلق به سوء التقدير إلى الإفلاس . وأنا الإبن البكر لعامل كان يكدح في الكويت لكي يعيل أسرته ببغداد ! .

 

كان رشيد في مطالع عشريناته .. معتدل الطول .. رشيقاً أميل إلى النحافة .. غامق السمرة ، وإن كان يتبجح بلونه الحنطي . دقيق قسمات الوجه ، متناسقها . متين البنية ، شديد الاعتداد بنفسه..متعالياً حدّ العجرفة..صادقاً ومستقيماً حدّ أن يشطر نفسه شطرين إذا اعترضته نفسه ! ساخراً من كل شيء بمرارة . تبلغ سخريته حدّ العدوانية في الغالب . شديد القسوة حتى على أقرب الناس إليه . كثير التذمر حدّ أن يخلق حوله أحياناً جواً من التعاسة لا يطاق !

 

إن الذي يرى رشيد ياسين من كثب ، لا يستطيع أن يتخيل أن هذا الأنسان يمكن أن يبكي ! . أنا رأيته يبكي مرتين ! .. أولاهما بدون صوت . كانت دموعه تنهمل على خديه ، وهو يحدثني عن حبيبته التي افترق عنها .. كان ذلك في بداية تعارفنا ، وكان يعمل يومها معلماً في مدينة القرنة بالبصرة . أما في المرة الثانية ، فقد كان يشهق مختنقاً بعبراته .. كان ولده الصغير يمر بمحنة كبيرة . إنك لتكتشف داخل هذه الصخرة القاسية نبعاً من الماء لا تستطيع أن تتصوره إلا إذا ملكت أن تنفذ إليه .. وليس يسيراً ، حتى على من عاش عمره مع رشيد ، أن ينفذ إلى أعماقه ، لفرط ما غلفته المرارة ! .

 

هذا الوجه العابس المكفهر .. المشمئز من كل شيء .. في أعماقه طفل طيبته تكسر القلب ، ولكنها طيبة غارقة في المرارة ! .

 

لكي أكون دقيقاً في الصورة التي رسمتها لرشيد ، أنقل عن قسوته هاتين الحادثتين :

 

المكان : مقهى البرلمان .. وكانت المرة الأولى التي ألتقي فيها بمجموعة الشعراء هذه : البريكان ، رشيد ، أكرم الوتري ، وبلند الحيدري .. أما أنا فدخلت على المجموعة بصحبة بدر السياب الذي قدمني اليهم شاعراً ! .

 

كنت شاعراً مبتدئاً ، في السنة الأولى من دراستي الجامعية .. شديد التحرج من هذه الأسماء الكبيرة عليّ .. لذا فقد جلست مستمعاً ، وبدأوا ينشدون ويتحدثون . فجأة التفتوا إلي وسألوني أن أقرأ ! . بعد تمنّع طويل مني ، وتشجيع كبير من السياب ، قرأت . أنا لم أنظر إلى وجه رشيد لكي أرى ردود الفعل عليه ، ولكنني سمعت بعد شهور تعليقه على قراءتي تلك . قيل إن رشيد ظل يحملق في وجوه جماعته حال انصرافي عنهم ، ثم قال :" هو هذا وجه شاعر ؟؟!" . ثم التفت الى بدر قائلاً :" يمكن لصاحبك هذا أن يعمل حمالاً ، أو جزاراً .. أما شاعراً فلا ! ."

 

الحادثة الثانية : المكان : مقهى خليل . الحضور المجموعة نفسها .. وكان الوقت يكاد يدنو من الظهيرة . كنا في غمرة حديثنا حين قطع علينا نقاشنا رجل جاوز الأربعين عاماً .. سلّم منحنياً بأدب جمّ .. وباعتذار كاد يكون موجعاً لكثرة ما فيه من عبارات التودد .. ثم قدم نفسه على أنه شاعر مبتديء ، يلتمس من أساتذته الكبار أن يتلطفوا بقبول مجموعته الشعرية المتواضعة ، مهداة لكل واحد منهم .. متمنياً أن تتاح لنا فرصة قراء تها .

 

كان الرجل شديد الأرتباك .. وكنا جميعاً في مثل سنّ أولاده إذا كان له أولاد . حين انتهى من تلك المقدمة الأعتذارية ، مدّ يده لكل واحد منا بكتيّب شعري عليه إهداء بالغ في تواضع المهدي ، وإجلال المهدى إليه .

 

خلال تلك العملية ، كنت أراقب رشيد وهو ينظر الى هذا الرجل الأشيب ، الواقف محدودباً كالمتسوّل .كان يرنو إليه باشمئزاز مشوب بالسخرية ، مائلاً برقبته ، رافعاً وجهه نحوه بشكل يثير الضحك .

 

وضع الرجل كتبه ومضى لمكانه في المقهى بعد أن تراجع خطوتين إلى الوراء قبل أن يولينا ظهره .

 

كنت أتوقع الزوبعة .. ولكنني لم أتخيل أنها ستكون بهذه القسوة ، أو في الأقل ، لم أتخيل أنها ستتجاوز نطاق جلستنا نحن .

 

خلال دقيقتين ، تصفح رشيد الكراس الشعري ماطّاً شفتيه .. ثم نهض وبيده الكراس ، متجهاً الى الرجل . حاولنا جميعاً أن نوقفه فلم نفلح .وقف على رأسه ، ورفع الرجل وجهه اليه مبتسماً .. وإذا برشيد يقول له :" ألم تستحِ وأنت في هذه السن ، أن تكتب مثل هذا الهذيان ؟ ولا تكتفي بكتابته ، بل تطبعه ، وتنشره ، وتهديه للناس ؟!" ثم عاد بعد أن ألقى الكراس على الرجل الذي ظلت ابتسامته تشحب تدريجياً حتى استحالت إلى ما يشبه البكاء..

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 رشيد ياسين

 

 ( 2 )

 

 *

 

 

 

 هذا لا يعني بالتأكيد أن رشيد لم يكن مرحاً . لقد كان إذا ضحك يضحك من كل قلبه .. حاضر البديهة ، سريع النكتة ، مدججاً بالأجوبة المفحمة التي غالباً ما يصاحبها تعبير وجهه الساخر .

 

 ورشيد كريم باذخ الكرم ، حتى في أ شد حالاته عسراً .. إنه يفتح لك باب بيته ، ويقدم لك كل ما لديه دون تحرج ، حتى ولو كان ما لديه رغيف خبز وقليلاً من الأدام . ولعل أنبل ما فيه ، وهذه مسألة كنت أحس بها دائماً في بيته ، أنه ينشغل عن نفسه بضيفه .. وقد يختلف معك حدّ الغيظ ، ولكنه لا يغفل لحظة عن القيام بواجب ضيافتك على أتم وجه .

 

 في ليالي الصيف غالباً ما كنا ، أنا ورشيد ، نجلس في مقهى الصالحية قرب الإذاعة ..وكثيراً ما كان يشاركنا جلساتنا تلك صديقنا الفنان الرائع يحيى جواد . نظل حتى تغلق المقهى أبوابها، وتكون الساعة قد جاوزت الثانية بعد منتصف الليل ، وجمع صبيّ المقهى جميع الكرا سي والمناضد ، وقد خلت المقهى منذ زمن إلا منا .. عندها نخرج حائرين ، كيف نكمل السهرة ؟! . كنت أوصل رشيد إلى البيت .. ويصر هو على أن يعود معي حتى أصل بيتي .. ونظل رائحين غاديين بين بيتي وبيته حتى قريب الفجر ، عندها نسلم أمرنا إلى الله ، ونتخذ نقطة وسطاً بين بيتينا ، نصافح بعضنا عندها بطريقة مسرحية ، ثم نفترق ! .

 

 من يصدق أننا كنا نقطع معظم تلك المسيرات الليلية مرتجلين الشعر ؟! . نجد موضوعاً .. أو يقول أحدنا بيتاً في شيء مما نمرّ به ، فيعقبه الآخر مباشرة ببيت جديد .. وتبلغ القصيدة في موضوع مضحك مائة بيت ! .

 

 إلى الآن مازلت أذكر مطلع قصيدة من أغرب تلك القصائد ، إذ وقعت أعيننا في أواخر ليلة صيفية على بائع زلابية يدفع عربته وعليها طبق مثقل ، فاشتهيناها حدّ وجع البطون ، وما كنا نملك فلساً واحداً ! . قال رشيد :

 

 أيتها الزلابيه .. فأكلت فوراً : لو تعلمين ما بيه !

 

ولمعرفتي بالذاكرة الرهيبة التي يتمتع بها رشيد ، فأنا واثق من أنه مايزال يحفظ معظم تلك القصيدة التي تجاوزت الخمسين بيتاً عن ظهر قلب كما يحفظ الكثيرات من أمثالها ! .

 

 كانت تلك المسيرات الليلية تمريناً رائعاً على الإرتجال الذي كنا نمارسه للدعابة حتى خلال حياتنا اليومية ، وكان عدد من أصدقائنا يحاولون مجاراتنا ، ثم ما يلبثون أن يتخلوا عن المحاولة حين يروننا ما ينتهي أحدنا من البيت ، حتى يكمل الآخر ببيت جديد دون أن يترك أية فاصلة زمنية بين البيتين ! .

 

 أغرب متنفَّس كان لرشيد { التحايا } ! . والتحايا قصائد هجائية بالغة القسوة ، غير متعففة في عمومها . ابتدأناها مرة في مقهى الرشيد معارضين بها معارضة ساخرة قصيدة لبلند الحيدري مطلعها :

 

 أتحدّاكَ ، لن تعود .. فضجّت

 

 كبريائي ، وغمغمتْ .. مسكينه

 

لقد كان بلند غائباً فاغتبناه ! . وكان القدح المعلى في تلك الهجائية الفريدة للشاعر أكرم الوتري ! .

 

 كانت العصبة كلها ، حيثما اجتمعت ، تشارك في

 

( التحية ) حين يقتضي سوء حظ شاعر أن نحييه ! . من يومها ، وجدنا أجمل لذائذنا في أوقات الفراغ ، أن نأخذ قصيدة لواحد منا ، ونحييه على رويّها ، ساكبين في تحايانا تلك كل غيظنا من الحياة ، وكل حنقنا على خيبتنا فيها !. أما رشيد ، فقد ذهب به الأمر حدّ اقتراح ( تحايا ) لكل شعراء العربية بدءاً بامريء القيس ، وانتهاء بأحدث شاعر !

 

 أذكر مرة أنني كنت أشرح لطلابي درساً في النحو ، وكنت آنذاك مدرساً في متوسطة الحلة للبنين ، إذ دخل عليّ الفرّاش الصف ، وهمس في أذني أن شخصاً اسمه رشيد ياسين ينتظرني في غرفة المدرسين .

 

 عجبت وأنا أصافح رشيد من تجشمه عناء السفر من بغداد إلى الحلة ليراني ! .. وإذا بي أكتشف أن رشيد قد جاء وبيده جريدة .. الجريدة فيها قصيدة للجواهري نشرت في ذلك اليوم ، مطلعها :

 

 عدَتْ عليَّ كما يستكلبُ الذيبُ

 

 قومٌ ببغداد أنماطٌ أعاجببُ

 

لم ينتظر رشيد أن نجلس قليلاً في غرفة المدرسين ، بل أصرّ على الخروج معه للتوّ .. وأن نذهب إلى أي مقهى ، لا إلى بيتي . وما أن جلسنا في المقهى ، حتى نشر رشيد الجريدة قائلاً : إقرأها لكي نبدأ بتحيته ! .

 

 أعترف أنها كانت واحدة من أقسى حماقاتنا تلك .. وما أن انتهينا من كتابتها ، وكنا غالباً نحيّي الشاعر بيتاً ببيت .. حتى جمع رشيد الأوراق ، وطلب مني أن أدلّه على موقف السيارات لكي يعود إلى بغداد ! .

 

 للتاريخ أسجل هنا ، أن رشيد ياسين ترك عليّ أعمق البصمات أثراً .. لا في شعري وحده ، بل حتى في الكثير من تفاصيل حياتي اليومية .

 

 لقد كان رشيد ياسين واحداً من أمهر الذين صنعوا الأجيال الشعرية اللاحقة ! .

 

 

 

 * * *

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 بدر شاكر السياب

 

 ( 1 )

 

 *

 

قبل قرابة عشرسنوات ، في مهرجان جرش .. عُقدت على هامش المهرجان ندوة في الجامعة الأردنية مكرسة للسياب ، أذكر أن المتحدثين فيها كانوا كلاً من جبرا ابراهيم جبرا ، ويوسف الصائغ ، وبلند الحيدري .. وكنت في صفوف المستمعين ، ولكن إخواني المنتدين ألحوا عليّ بأن أنضم إليهم .

 

لم يكن أحد من المتكلمين قد أحضر شيئاً مكتوباً ، اللهم إلا الأستاذ جبرا الذي كانت أمامه قصاصة ورق عليها محض رؤوس أقلام .. لذا ، ولأن الندوة اتسمت بالأرتجال المعتمد على التذكر ، لم أجد حرجاً في الحديث !

 

حكيت للحاضرين القصة التالية ، قلت : "سألني يوماً أحد معارفي أن أوصله إلى بدر ، وأن أعرفهما ببعض ..واتفقت معه على صبيحة الجمعة القادمة في مقهى حسن عجمي .

 

دخل صاحبي المقهى ، واتجه إلى حيث كنا نجلس ..حين هممت بتقديمه ، جذبني من كُمّ ثوبي ملتمساً أن لا أفعل .. ثم همس في أذني ، بعد أن استقر به المقام ، أن أؤجل التعارف إلى نهاية الجلسة..قال : أريد أن أسمع الآن !

 

 كان بدر يتحدث .. وكنا قرابة ستة أشخاص نستمع اليه .. وبدر ، كائناً ما كان الموضوع الذي يتحدث فيه ، يتقد حماسة ، بينما يرتفع صوته الحاد مع تقلصات وجهه وتشنج حركات يديه .

 

غالباً ما كانت المرأة موضوع حديث بدر .. وهو في هذه الحالة لا يتورع عن رواية أشد النكات إحراجاً ، والنطق بأكثر الألفاظ استفزازاً ! .

 

بعد وقت قليل ، وخزني صاحبي بكوعه وهو يتأهب للانصراف .. همستُ : إلى أين ؟..وبدر ؟؟ ، فأجابني هامساً : أتركها إلى وقت آخر . حين أوصلت صاحبي إلى باب المقهى ، قال وهو يشد على يدي مودعاً : أيمكن أن يكون هذا الذي كنت أستمع إليه بدر السياب فعلاً ؟؟! ."

 

رويت هذه الحادثة للمنتدين في قاعة الجامعة الأردنية ثم عقبت بما يلي : " يخيل إليّ أن كل من جالس السياب ، واستمع إليه وهو يتحدث ، ينكر أن يكون هذا المتحدث هو الشاعر بدر شاكر السياب ! . " قلت : " أنا عندي تفسيري الخاص لهذه الظاهرة الغريبة . لقد عايشت بدر.. رأيته وهو يكتب القصيدة ، وسمعته وهو يقرأها .. ثم استمعت إليه كثيراً وهو يتحدث .

 

حين يبدأ بدر بكتابة قصيدته ، يندر أن يتصور الأنسان عذاباً كعذابه .. تماماً كما تذوب الشمعة ،يذوب مع قصيدته كلمة كلمة ، مقطراً فيها كل ما في شرايينه وأوردته من الدم ، وما في روحه من الضياء . عندما تنتهي القصيدة ، يكون بدر قد اعتصر آخر ما في أنسجته جميعاً من الشفافية والضوء .. تماماً كما تعتصر ليمونة في كأس! بعدها ، بعد القصيدة ، لا يبقى من بدر سوى الوشل والطين .. وهذا ما تراه منه في حياته اليومية ..الطين بكل لزوجته بعد أن فارقه الضوء كله ، منسكباً حتى آخر قطرة على الورق .

 

بعدها يبدأ بدر بجمع رحيق قصيدته الجديدة .. دأب النحل كان بدر يدأب على إغناء تجربته . وحين تبدأ ارهاصات حمله الجديد ،يبدأ الحرص على طاقته الجسمانية. إنه يخاف من أي تسرب .. من أية بعثرة ، أو أي احتراق يومي يصرف فيه شيئاً من الضوء الذي بدأ يتجمع في روحه .. يصبح ضنيناً بكل طاقاته ، مكرساً إياها جميعاً لساعة الطلق التي هي عنده ذروة الحياة ، وذروة الموت في لحظة واحدة ".

 

قلّما رأيت استجابة متحمسة كالاستجابة والحماس اللذين قوبلت بهما بعد انتهاء حديثي هذا عن بدر ! .

 

 * * *

أول مرة رأيت فيها بدر كانت في مستهل العام الدراسي 47/1948 ، يوم قبلت طالباً في قسم اللغة العربية بدار المعلمين العالية ، وكان بدر طالباً في الصف الرابع قسم اللغة الأنكليزية .. عرفتني به ابنة خالي الشاعرة لميعة عباس عمارة ، وكانت طالبة في الصف الثالث قسم اللغة العربية..وكان بينها وبين بدر إعجاب فيه الكثير من المودة والزهو من جانبها ، وما هو أكثر من ذلك من جانب بدر ! .. ولعل تعلق بدر بلميعة بذلك الإندفاع المحموم هو الذي جعلني أثيراً عنده ، عزيزاً عليه منذ أول أيام تعارفنا . لا ادري لماذا يحضرني الآن قول الشاعر العذري :

 وأقسمُ أني لو أرى نسَباً لها

 ذئابَ الفلا حُبَّت إليّ ذئابها !

فكيف إذا كان النسب شاعراً شاباً يفهم لوعة المعاناة ، ويضيف تزكية لبدر بإعجابه به ؟! .

 

 في تلك السنة أصدر السياب مجموعته الشعرية الأولى { أزهار ذابلة } . إلى الآن ما أزال أذكر كيف كنا نحمل رزم الكتاب ، ونبيعه على الطلبة ،أو نودعه لدى المكتبات محاولين أن نسترجع لبدر جزءاً من كلف الطبع دون جدوى !.

 

في تلك السنة أخذني بدر معه إلى مقهى الرشيد حيث التقيت ، وللمرة الأولى ، برشيد ياسين ، ومحمود البريكان وبلند الحيدري ، وأكرم الوتري .. إضافة إلى السياب .

 

كنت أسكن في القسم الداخلي للطلاب ، في نفس الردهة التي يسكنها بدر .. وإلى جواره .

 

ما سأذكره هنا عن بدر أرجو ألا يكون إساءة إليه .. إنما أحاول جهدي أن ألقي شيئاً من الضوء على المعاناة الإنسانية والشعرية لهذا الشاعر الكبير .

 

كان بدر شديد النحافة . يداه وساقاه مثل أعواد القصب . أذكر أننا في عام 1947 كنا في تظاهرة طلابية عارمة احتلت ساحة القشلة ، فصعد بدر على سقف سيارة وبدأ ينشد قصيدته الرائعة :

 

بسمةَ النور في ثغور الجراحِ

 

 أنتِ قبلَ الصباح ، نجمُ الصباحِ

 

 

 

كلّما لُحتِ في خيال الطواغيت

 

 وألهبتِ مرقـدَ السَّـفّاحِ

 

ذابَ قيدً على اللظى وتَراخَتْ

 

 قبَضاتٌ على حطام السلاحِ !

 

كان بدر يرتعش من قمّة رأسه إلى أخمص قدميه .. وكنت أمسك بساقيه خشية أن ينـزلق من سقف السيارة . إلى الآن ما أزال أتذكر أن أصابع يدي الواحدة كانت أطرافها تلتقي حول كاحله مع الجورب والبنطلون ! .

 

 وبدر كان صغير العينين ..منتشر الأذنين ..شاحب الوجه ، أملسه ، لا ينبت فيه إلا شعيرات ناعمات متفرقات فوق شفته العليا .

 

 انتبهت إلى بدر في صباح يوم مبكر وهو يدسّ رأسه في خزانة ملابسه، فاتحاً بابيها ليحجب وجهه عن الناظرين ..جلست على فراشي أنظر إليه دون أن يدري ، فرأيته يمرّ على شعيرات شنبه بقلم رصاص أسود ، محاولاً أن يكثف

 

وجودها دون أن يلحظه أحد .

 

 منذها تعودت أن أستيقظ مبكراً لأراقبه وهو يفعل ذلك يومياً دون ملل .. وتعلمته منه ، وفعلته أنا أيضاً فيما بعد ! .

 

 

 

 * * *

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 بدر شاكر السياب

 

 ( 2 )

 

 *

 

 

 

مذهلة كانت هذه المجموعة التي تعرفت عليها في بواكير حياتي الشعرية . إنها واحدة من هضبات الشعر التي تتموج مرتفعة من منخفض عدة قرون ، حتى إذا بلغت ذروتها ، عادت لتنحدر في وادٍ سحيق آخر من الضياع الشعري ، لتعود مرتفعة مرة أخرى ، في عصر آخر .

 

هكذا كانت الجاهلية ، ثم العصر الأموي ، ثم العصر العباسي .. ثم ، وبعد صمت قرابة ألف عام ، ترتفع مرة أخرى بموجة عارمة .. حاملة كل هذه الأشرعة المغامرة !. ففي حين يحجب البريكان فمه بأصابع يده ، ساتراً تراكب أسنانه الذي قل أن ينتبه إليه أحد ، لولا حركته هذه ! .. قارئاً ، بعد غياب أسبوع واحد ، ثلاث قصائد جديدة ، وهو يزعم أنه لم يكتب شيئاً ، ليستمر الإلحاح عليه لكي يقرأ شيئاً جديداً آخر ! .. وحين يتهدج صوت أكرم الوتري ، خفيضاً ، مبتلاًّ ، وهو يقرأ قصيدة من قصائـد ( وتره الجاحد )* .. ثم يخترق بلند الحيدري الجو بقصيدة مدهشة الإيقاع ..ورشيد ياسين منزرع فوق تخته كالحدأة يرقب أي زلّة يزلها الآخرون .. وحين يصل إليه الدور ، يقرأ بهذا النضج المبكر العجيب :

 

 على هذه الكرة الطافيه ببحر الزمان العديم الحدودْ

 

 تحّركنا قـوّةٌ خافيـه فنهدم سدّاً ، لنبني سـدودْ

 

 ونذهب في الجزر حتى نعودْ

 

 مع المـدّ في صورة ثانيـه !

 

 *

 

في قلب هذا التوترالمشحون ، يبدأ صوت السياب بتشنجه المثير :

 

 هل تسـّمين الذي ألقى هياما

 

 أم جنوناً بالأماني ..أم غراما

 

 ما يكون الحب .. نوحاً وابتساما

 

 أم خفوق الأضلُع الحرّى إذا حان التلاقي

 

 بين عينينا ، فأطرقتُ فراراً باشتيـاقي

 

 من عيونٍ ليس تسقيني إذا ما

 

 جئتُها مستسقياً إلا أُواما ..*

 

 *

 

هذه المجموعة الخلاقة التي كتب لي حسن حظي أن أنشأ بين أحضانها .. وأن يضع كل واحد من أفرادها شيئاً في تكويني .. ويظل رشيد ياسين أرسخهم ختماً في حياتي وفي شعري .. هذه المجموعة ، كان السياب نورسها الذي لا يهدأ له جناح ! .

 

مرة جلست مع بدر منتظرين قدوم الآخرين .. التفت إليّ بدر قائلاً : إقرأ لي شيئاً من شعرك . فأحسست بحرج بالغ ، واعتذرت إليه . قال : إقرأ لي .. فأين تجد جمهوراً مثلي ؟! .

 

وقرأت .. وفعلاً لم أجد بعد السياب جمهوراً مثله !. لقد سمعني بمحبة وحدب لا يوصفان، لاسيما وهو يُسمعني ملاحظاتـه على ما قرأت . أذكر مما قاله لي : " إسمع يا عبد الرزاق . لست الشاعر وأنت تكتب .. ولكنك الشاعر وأنت تسقط كل الزوائد مما كتبت . إنها العملية الأكثر إبداعاً،والأكثر وجعاً في كتابة القصيدة ! "

 

إلى يومي هذا ، ونصيحة بدر هذه من أهم ما أوصي به إخوتي وأبنائي من الشعراء الشباب الذين يسعدني الحظ أن ألتقي بهم بين آونة وأخرى .

 

أذكر أن الجواهري كان يميز بدر من بين جميع الشعراء الشباب بإضافة صفة " المبدع " أو " الموهوب"إلى اسمه كلما نشر له قصيدة في جريدته .. وكثيراً ما كنا نشاكسه في ذلك ! .

 

مرة اتفقنا على الذهاب إلى كلية الآداب ، وكان موقعها آنذاك في الباب المعظم ، تماماً على الركن الأيمن من نهاية شارع الرشيد ، وابتداء الشارع المؤدي إلى نهاية شارع الجمهورية . كانت هناك صباحية شعرية للشاعر مظفر النواب في نادي الكلية الذي كان سرداباً صغيراً يديره رجل كهل ممتليء أصهب اسمه " مرّوكي" .. يصنع الشاي والقهوة والحليب للطلاب . كنا مجموعة شعراء أذكر منهم : بدر ، رشيد ياسين ، أكرم الوتري ، محمود البريكان ، وحسين مردان .

 

كانت عيون الطلبة تترصدنا ، لاسيما بعد أن رحب بنا عريف الحفل .. وكان بدر يومها أكثرنا شهرة لاسيما بين جماهير الطلبة .

 

كانت منضدة مقهى عادية ، مغطاة بملاءة بيضاء ، بلا مكبرة صوت .. تلك التي وقف وراءها ذلك الشاب الأسمر النحيف ، الوسيم ، الجمّ الحياء ، الذي اسمه مظفر النواب . . وبدون أية مقدمات ، بدأ القراءة هكذا :

 

 السـلامْ

 

 ترَلَّ لام!

 

 ترَلَّ لام !

 

وكان ، مع ترديد " ترَلَّ لام " ، ينقر بإصبعه على المنضدة التي أمامه بإيقاعية منسجمة !! .

 

 حاولنا جاهدين أن نحوّل ضحكنا إلى ابتسام .. ولكنه ظل ابتساماً واضح التشنج برغم محاولتنا ستر أفواهنا بأيدينا . وكان أ شدنا ا ستنكاراً ، ولفتاً للنظر بطريقة تحديقه في الوجوه ، رشيد ياسين ! .

 

 حين بدأ مظفر بقراءة قصيدته الثانية ، والتي كانت تدور حول " مرّوكي " متعهد النادي .. أطلقنا العنان لضحكاتنا الحبيسة حدّ أن ضحك معنا جمهور الطلبة الحضور كله ، بينما كان مظفر يردد :

 

 مرّوكي ماذا تريد ؟

 

 تريد فستق عبيد ؟؟

 

لقد استغرقتنا المفارقة المضحكة بين " مروكي " الكهل الأصهب الممتليء الواقف أمامنا ، وفستق العبيد ! .

 

 حين خرجنا من كلية الآداب متجهين إلى الباب المعظم ، فمقهى الرشيد .. أخذنا نؤلف ، على طريقة مظفر ، قصيدة ضاحكة أثارت غضب السياب باعتباره القيّم على القصيدة الجديدة ، والمؤسس لها ! . أذكر أننا بدأنا هكذا :

 

 السـلام

 

 ترَلَّ لام

 

 ترَلَّ لام

 

 نريد السلام

 

 بام .. بام .. بام

 

 يريدون الحروب

 

 طاب .. طوب

 

 الدَّمار

 

 الخراب

 

 بدر السياب

 

 يحتَجّْ

 

 يرتَجّْ

 

 لهذا الخطاب

 

 طاب .. طاب .. طاب ..!

 

 *

 

شهور والسياب زعلان على المجموعة ، يرفض أن يلتقي بنا أو يكلمنا بسبب تلك الصباحية العاصفة بالضحك ! .

 

 * المجموعة الوحيدة للشاعر أكرم ا لوتري .. وبعد أن أصدرها ترك الشعر .

 

 * المقطع الأول من أول قصيدة تفعيلة كتبها السياب واصطلح النقاد على تسميتها ( ا لقصيدة الختم ) .

 

 

 

 * * *

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 بدر شاكر السياب

 

 ( 3 )

 

 *

 

 

 

 

 

 قلّ أن ارتطمت بحساسية رهيبة مثل حساسية السياب ! . إنه حين يصافحك ، يشدّ على يدك بأصابعه النحيلة وكأنه يلاويك ! . ثم يأخذ بهزّ يدك طويلاً بكل عنف جسده..ثلاث أو أربع هزًات ، ثم يسكن قليلاً ، ثم يعاود هزّ يدك بكل عنفه من جديد وهو يردد : أهلاً .. أهلاً وسهلاً .. أهلاً ! .

 

 مرة زرته إلى بيته في الأعظمية ، وكان ابنه البكر " غيلان " حديث الولادة . كان يحمله بحنان لا أستطيع وصفه .. وغيلان ملفوف بحضائنه ، وكان قد أكمل رضاعته تواً ، وبدر يحاول أن يسنده إلى كتفه ليساعده على التخلص من الغازات ..وبدأ يشرح لي كيف يجب أن يُحمل الطفل في مثل تلك الحالة .

 

أقسم أن غيلان لو كان في تلك السن يعي ، ونظر إلى أبيه ، لبكى عليه ! . بعدها أعاده إلى أمه ، وجلسنا معاً في غرفة الإستقبال .

 

قبل أن يبدأ بدر بقراءة قصيدته (غريب على الخليج ) لي ، روى الحادثة التالية التي حدثت له في نفس ذلك الصباح .. قال :" كنت عائداً إلى البيت حين رأيت في طريقي رجلاً كهلاً ، شديد الهزال ، جالساً على الرصيف ، وأمامه سلّة تين وزيري أوّل نزوله .كان الوقت ظهراً .. وكان واضحاً أن السلة لم تمتد إليها يد حتى ذلك الوقت . قال بدر : أغراني منظر التين ، فتوقفت أسأل الرجل عن سعره .. وثب الرجل بفرح غامر .. وبما يشبه التوسّل قال : الكيلو بأربعة دراهم عمّي .. قال بدر ، فأدرت وجهي منصرفاً عنه .. وإذا به يستوقفني قائلاً : قف ، تمهّل قليلاً . قل شيئاً .. أعطني أيّ سعر .. قل لي يا ملعون الوالدين ، من سيشتري منك تيناً بأربعة دراهم ؟؟ كيف اشتريته ، وكيف ستبيعه ؟؟ . أشتمني ، ولكن لا تنصرف هكذا دون كلام ! .

 

كانت دموع بدر تسحّ على خديه وهو يصل إلى نهاية حكايته ! .. ثم بدأ يقرأ لي قصيدته ( غريب على الخليج ) .

 

كيف عاملنا بدر ؟؟

 

أصدر ملحمته الإنسانية الخالدة ( المومس العمياء ) ، فشُنَّت عليه حملة شعواء بوعي بالغ السطحية والضيق في فهم الإبداع ، ووُصفَ بأردأ الأوصاف .. ووُجِّه الناس إلى مقاطعة المطبوع..فثارت ثائرة بدر ، وبدأ بكتابة سلسلة سيئة من المقالات هاجم فيها الشيوعيين بأضعاف ما هاجموه .. فما كان من هؤلاء إلا أن رسَّموه خائناً .. هكذا بجرّة قلم ، بينما كان لوقت قريب محسوباً عليهم !

 

أذكر أني ، وكنت صديقاً للشيوعيين ، كُلِّفت بأن أرى بدر ، وأسأله – باعتباره صديقي – أن يكفّ هجومه الشائن عنهم !.. وكان هجوماً شائناً فعلاً ، شتم فيه بدر حتى أعزّ الناس عليه ! .

 

كان شهر تموز بجحيمه . وكان بدر يسكن في فندق متواضع يطلّ على تمثال الرصافي في مدخل شارع الأمين .. وكان الوقت ظهراً حين صعدت إلى غرفته .

 

حالما فتح الباب ورآني ، أدرك لماذا أتيت ..! .صافحني ، وقدم لي كرسياً فجلست .. وما كدت أستقر في جلستي ، حتى أسرع إلى قنينة عرق موضوعة فوق خزانة ملابسه ، فملأ منها كأساً صرفاً دون ماء ، ودون أن يضع فيها قطعة ثلج ، ثم مدّ يده بالكأس إليّ ملحفاً أن أ شرب .. فاعتذرت وأنا أقول له : في هذا الوقت ؟ ، وبهذه الطريقة ؟! . قال : إذن سأشرب وحدي .. وشرع يشرب بشكل محموم وهو ينتظرني أن أتكلم .

 

قلت : بدر .. أنت من يكتب هذه المقالات البشعة ؟؟ . لا يهمونني هم .. ولكن أنت .. كيف ارتضيت لنفسك هذا ؟! .

 

كيف أستطيع أن أنسى وجه السياب في تلك اللحظة ؟!! . الآن .. وأنا أكتب هذه الأسطر ، كأنني أبصر دموعه كيف انهمرت في الكأس ، والكأس على شفتيه !! ، فرفعها وهو يقول مرتجفاً : إنّهم يذبحونني يا عبد الرزاق .. هم يذبحونني ألا تفهم ؟؟ . لوكنت بعوضة لقاتلتهم .. بأظافري سأقاتلهم ! .

 

لكي تكون منصفاً يا عبد الرزاق ، تذكّر أنك في يوم من تلك الأيام لاقيتَ بدر في شارع الرشيد .. وكان شبه منبوذ لأن الشيوعيين رسّموه خائناً حتى صار الناس يتحاشونه.. ومدّ بدر يده إليك .. كان أحوج ما يكون إلى من يأخذ بتلك اليد .. فماذا فعلت أنت ؟؟! .

 

 كيف أستطيع أن أنسى عينيك يا أبا غيلان ، ويدك ممدودة ، وأنا أنظر إليها منصرفاً دون أن أمدّ يدي إليها ؟!.

 

آخر طعنة قتلت بدر كانت قصيدة البياتي في شتيمته ، والتي عنوانها " خيانة " .. وكانت هذه القصيدة واحدة من أهم تزكيات البياتي للدخول إلىعالم الشيوعيين بعد ان كان خصماً لهم ، وقد أغفل نشرها في أي من دواوينه ، مؤثراً أن ينساها الناس بعد أن أدّت غرضها السياسي .. وسأوفرها إلى حديثي عن البياتي .

 

 * * *

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 محمود البريكان

 

 

 

 *

 

 محمود عبد الوهاب كان مشروعاً لواحد من ألمع كتاب القصة القصيرة في العراق . لا أدري أي ظرف قاهر أجّل عطاء محمود كل هذا التأجيل .

 

ومحمود عبد الوهاب من البصرة .. ومحمود البريكان من البصرة.. وبينهما صلة صداقة ، وصلة أدب حميمتان ، منذ أيام التلمذة حتى يومنا هذا .

 

روى لي محمود عبد الوهاب أنه يزور البريكان كل أسبوع .. والبريكان يعرف موعد هذه الزيارة . قال : أطرق الباب ، وأنتظر ..وأنا أعلم أنني في الطرقة الأولى لن أحظى بجواب .. فأطرق الباب ثانية .. وأنا أعلم أيضاً أن ابن محمود سيخرج إلي بعد الطرقة الثانية ، كما يحدث دائماً .. فيصبّح عليّ ، وأصبح عليه ،وأسأله إذا كان أبوه في البيت ، فيجيبني بالإيجاب .. وأنا أعلم الجواب ! . ثم يعود الغلام راكضاً ، وبعد انتظار مضنٍ ، يخرج لي محمود وهو يسوّي هيأته ، مغطياً فمه بيده ، معتذراً عن التأخر .. متأثراً لهذه المفاجأة ، مع علمه أني أزوره أسبوعياً في هذا الموعد بالضبط !. وندخل الدار معاً..وبعد جلسة عامرة ، يوصلني البريكان إلى باب الدار .. وبعد أن يصافحني مودعاً ، يسألني : لماذا لا تبقى على الغداء ؟!.

 

ويضحك محمود عبد الوهاب .. ويطلّ عليّ وجه محمود البريكان من خلال الحديث .. بحيائه ، وترفُّعه ، وشديد إبائه . بكل تلك الدماثة في الخلق ، وكل ذلك التواضع . إنني أشكّ أن إنساناً – كائناً من يكون – يستطيع معرفة مدى تواضع محمود البريكان ، دون أن يستمع إليه ، أو يقرأه شاعراً ، أو يتعرّف عليه موسوعياً يصعب أن تدرك العين ضفته الثانية ! .. عندئذٍ ، يعرف مبلغ التواضع في حديث هذا الإنسان الجالس إليه ! .

 

كان البريكان طالباً في كليـة الحقوق يوم تعرفت إليه وكنت أنا طالباً في دار المعلمين العالية .

 

أذكر مرة أن أستاذنا الدكتور محمد مهدي البصير – رحمه الله – سأل شعراء الصف ، وكانوا أكثر من ثلاثة ، إذا كان بينهم ، أو بين من يعرفون من الشباب من كتب الموشح.. فرفع الطالب الشاعر خضر عباس الفضل يده ، وهو من أهالي البصرة ، قائلاً : " دكتور .. لي صديق شاعر من البصرة ، ا سمه (البريكان ) .. كتب ما يشبه الموشح " . أدركنا جميعاً ، وخاصة زميلنا الشاعر صالح جواد الطعمة ، المطب الذي ساق خضر نفسه إليه !

 

قال له البصير : " طيّب يا خضر يا خوي .. اسمعنا ما قال صاحبك البصري هذا ." فشرع خضر يقرأ بطريقة ترنّمية .. وكانت في صوته غُنَّة ، وله قرار عميق :

 

 عَدَمْ

 

 يدبُّ بين الرِّممْ

 

 كأنّهُ قد قُدَّ من هيكل صخرٍ أصَمْ

 

فقاطعه البصير مستخفاً : " مو شي يا خوي .. مو شي.إ ستريح ! .

 

 يومها شعرت بانحياز كبير الوجع لمحمود البريكان!.. هذا الإنسان الزاهد في كل شيء إلا المعرفة .. المُعرض عن كل شيء إلا إنسانيته . ما أغوته ، لا شهرة ، ولا جاه ، ولا مال .. حتى الحب ، وحتى الزواج ، ما وجدا سبيلهما إليه إلا في وقت متأخر .. ثم سرعان ما عاد إلى وحدته من جديد .

 

يسألني الناس ، والأدباء بوجه خاص : " إنك تتحدث كثيراً عن محمود البريكان ، وتفضله على جميع شعراء مرحلته ، ولم نقرأ له شيئاً ." ولا أجد أنا .. ولا يجد أصدقاء محمود ما يدافعون به عنه ، وعن زهده في النشر .. بل لقد جاوز الزهد حدّ التساؤل إن كان البريكان فعلاً مستمراً على الكتابة . ويوماً بعد يوم يُسقط محمو من أيدي أصدقائه كل وسائل الإحتجاج له والدفاع عن شاعريته ! . سيقول كعادته : لست بحاجة إلى دفاع . وأنا أعلم أنه زاهد حتى في أن يُدافَع عنه ، وأن تُقال فيه كلمة ، كائنة ما كانت .. إلا كلمة تجرح إنسانيته ، أو تخلّ بقيمه .. ولن تفلح كلمة كهذه – كائناً ما كان مصدرها – أن تصل إلى مثل محمود ! .

 

رغم أنّ البريكان لم يدّع شيئاً في يوم من الأيام ، ولم يطالب بشيء .. ولكن ، للأمانة ، وللتاريخ.. أثبت في هذه الذكريات قلق محمود هذا : قال لي يوماً ، وقد توفي بدر ، وتوفي حسين مردان .. وسافر بلند ، وانزوى أكرم الوتري .. قال :" يا عبد ا لرزا ق .. لم يبقَ لي من شهود سواك ورشيد ياسين ! " . وكان يمكن أن يشهد للبريكان - لو أراد – كل ناقد ، وكل قاريء عربي .. وأن ينتشر على العالم كله ! .

 

لعلّ رشيد أجدر ، وأولى بالشهادة لك يا محمود فهو أحكم مني ، وأعرف بك ! .

 

صغير الجسم ، نحيفه .. سميك النظارتين ، أجعد شعر الرأس*.. لا يتكلم إلا واضعاً يده على فمه .. سابقاً كل خطاب يوجهه لأيّ من أصدقائه بكلمة" أخ " .. أخ رشيد .. أخ بدر .. أخ عبد الرزاق .. !.

 

كان محمود من أغزر شعراء جيله إنتاجاً .. حتى لقد كانت غزارته موضع تندّر أصدقائه معه . وكان له وقار شيخ ، وجدّية رجل أعمال ناجح ! . قلّ أن رأيته يجاري أصدقاءه في مشاكساتهم ومداعباتهم ، أو في أهاجيهم التي كانوا كثيراً ما يطردون بها السأم .. وإذا فعل ، بدا وكأنه ارتكب خطيئة أو معصية ! . ولم أسمعه يوماً يرفع صوته ، لا هو ، ولا أكرم الوتري ! .

 

كان لقائي بمحمود البريكان -وما يزال – نادراً .. أولاً لأنه ملازم البصرة ، والزبير بالذات ، فلا يزور بغداد إلا لماماً .. ولا يتواجد فيها إلا في موا سم الدرا سة أيام كان طالباً في كلية الحقوق .. وما تبدأ العطلة الربيعية أو العطلة الصيفية إلا ومحمود في البصرة في أول يوم من أيامها ! . وثانياً لأن محمود ، بطبيعته ، لا يميل كثيراً إلى الإختلاط . إنه منصرف لشعره ، وكتبه ، ومكتبته الموسيقية بالغة الثراء ! .

 

مرة زارني محمود في بغداد في أعقاب الحرب العراقية الإيرانية ، وراح يحدّثني مرتعباً عن سقوط قذائف المدفعية الإيرانية على بيته ، وتهديمها جزءاً كبيراً من البيت .. وإذا بي أكتشف خلال الحديث أن محمود ما كان خائفاً على نفسه ، أو على زوجه وأولاده .. بل كان وجلاً حدّ الرعب على مكتبته التي ما كان يستطيع أن ينقلها ، أو أن يفعل لحمايتها شيئاً ! .

 

كنت في هيئة تحرير المجلات ، سكرتيراً لتحرير مجلة " الأقلام " يوم نُشرت قصيدتي ( هارب من متحف الآثار ) في مجلة " المثقف العربي " ، وكان ذلك في أواسط السبعينات . بعد نشر قصيدتي بأسبوع واحد ، وصلت الى " المثقف العربي " قصيدة من محمود البريكان بعنوان ( تمثال من آشور ) ، ووصلتني في الوقت نفسه رسالة من محمود يقول فيها ما مضمونه : " ما كنت أريد نشر قصيدتي ، ولكنني مرغم على نشرها لأن مضمونها ، كما ترى ، مشابه تماماً لمضمون قصيدتك " هارب من متحف الآثار " .. ولأنني كتبت قصيدتي هذه قبل سنتين ، ولم أطلع عليها أحداً ، خشيت أن يُظنّ بأنني كتبتها متأثراً بقصيدتك ، ولهذا بادرت إلى نشرها ! . "

 

وعجزنا ، نحن أصدقاءه .. وعجزت وزارة الثقافة والإعلام عن أن تحصل من محمود على مجموعة شعرية تنشرها له ، رغم ما قدمت له من مغريات ! .

 

بعد كل ذلك ، لا أدري إذا كان ما كتبته عن محمود شهادة له أم عليه ! .

 

 

* لم يبقَ من شَعر محمود الآن غير نتف بيض تحفّ بصلعة واسعة .

 

 

 

 * * *

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أكرم الوتري

 

*

 

الساعةُ التَّعبى تظـلُّ تُطلُّ من خلَلِ الدخانِ*

 

تُحصي المهازلَ والمآسـي بالدقائقِ والثواني

 

 

 

ماذا جرى للأرض حتى عاد أهلوها عبيدا ؟

 

واظلمَّت الأبصارُ حتى لا ترى فيها جديدا ؟

 

 

 

وتناثرت عبرَ الدروب مواكبٌ سودُ الجباهِ

 

تبغي خلاصاً في المَساخِرِوالمساجدِ والمقاهي

 

 

 

الساجدون علىالتُّقى يستغفرون من الخطايـا

 

والسارحون مع الهوى والراقدون مع البغايا

 

 

 

والهائمون تهزُّهم في النفسِ خَيباتٌ مَريره

 

يُفنونَ بين الذكرياتِ حطامَ أعمارٍ قصيره

 

 

 

والأغنياتُ النّائحاتُ تعَـَّتـَقتْ دَهراً فدَهرا

 

والعابراتُ على الطريق كأنَّما يَحملنَ سـرّا

 

 

 

والجائعاتُ نفوسُـهُم رَوَوا العيونَ من العيونِ

 

يَهتـاجُهُم شوقٌ إلى دِفْءٍ ، إلى صدرٍ حنونِ

 

 

 

 مِن شاعرٍملكَ السَّماءَ وشَدَّهُ بالأرض قوتُ

 يطوي السنينَ علىالعذاب فلايَعيشُ ولايموتُ!

 

 

عبدٌ لِمَن عَبَدوا التراب وعَفَّروا فيهِ الجِباها

 

وتَطَلَّعوا خَوفَ العقاب كأنَّما قتـلوا إلهَـا !

 

 

 

وأسيرُ في صَخَبِ الجموع كأنَّني من غيرِ قلبِ

 

وتجرُّني الأحلامُ والأوهامُ من دَربٍ لدَربِ ..

 

 * * *

 

أكرم الوتري .. الذي لا يكاد صوته يُسمع حتى في أشدّ حالات انفعاله في الحديث .. الذي يصبح وجهه قرمزياً من الخجل لأيّ عارضٍ محرج يمرّ أمامه ، ربّما لم يكن أحدٌ انتبه إليه ! .. والذي لم أسمعه – طوال معرفتي به – ولا سمعه واحد من أصدقائنا ، على ما علمت منهم، يتفوَّهُ بكلمةٍ نابية ! .

 

مرةً ابيَضَّ وجه أكرم حتى غدا مثل كفن الموتى. كنا جالسين في مقهى الرشيد ، هو وأنا ورشيد ياسين . لم ننتبه ، لا أنا ولا رشيد إلى ما جرى .. ولكن يبدو أن أحدهم - من الوسط الأدبي – أ سمع الوتري ما أحرجه كل هذا الحرج . سأله رشيد ، فقال أكرم : "لا شيء .. ليس هناك شيء . أهانني وذهب ." فسألناه منفعلين : كيف ؟ .. ولماذا ؟؟ . ردَّ بحزن عميق ، وبصوت لا يكاد يُسمع : " قلت في قصيدته رأياً لم يعجبه .. فأهانني وذهب" . فثارت ثائرة رشيد ، ورشيد عنيف حدّ اللعنة . كان يريد أن يركض خلف صاحب العلاقة ليشبعه ضرباً ، وأنا وأكرم ممسكان به نهدّيء من ثائرته ..وأكرم يقول له : "هو أهانني . لقد ا ستطاع أن يهينني فما جدوى أن تضربه ؟ . الإهانة حدثت وانتهت ، ولا سبيل إلى محوها حتى لو ضربته .".. وكان أكرم يرتجف من شدّة الإنفعال، ولكن صوته ظل خفيضاً لايكاد يُسمع ! .

 

ومع ذلك ، فأكرم على أدبه الجمّ ، وحيائه المفرط .. صاحب دعابة ومرح قلّ أن يتصورهما من ينظر إلى هيئته المكتظة بالوقار ، على صغر سنّه ! .. تشهد له هذه الأبيات من قصيدة ذاع صيتها بين أصدقائه حتى حفظوها جميعاً :

 

جوزي فداكِ القلب جوزي

 

 أصبحتُ كالرجلِ العجوزِ

 

لا تَزعَلـي منّي ، فإنـَّكِ

 

 إن زعلـتِ لويتُ بوزي !

 

أخشى على قلبي التَّصَدُّعَ

 

 إنَّ قلـبي مِـن كزيـزِ !

 

 

 

أصبحتُ من ذُلِّ الهوى

 

 هندي يسيرُ وَرا انكليزي !

 

أرجَعتِني طفلاً فَعُـدتُ

 

 وصرتُ أقرأ : زيزي زيزي !

 

وتُصالحهُ فيقول :

 

 أقبلتُ أبسـمُ للهوى

 

 وأدرتُ للعُـذّال . . . . !

 

 * * *

 

وتشهد له أيضاً قصائد " التحايا " * التي كان يتزعمها رشيد ياسين ، ولأِكرم قدح معلّى في بعضها حدّ إثارة الإستغراب .

 

كان أكرم يوم تعرّفت عليه طالباً في كلية الحقوق . رأيت إلى جواري شاباً نحيفاً ، شديد الرهافة في كل تقاطيعه .. وسيماً ، أبيض البشرة مشرَّباً بحمرة خفيفة .. ملوّن العينين .. أصفر الشعر والشاربين ..وديعاً حدَّ وجع القلب ! .. وكان كل ما فيه يوحي بعدم انتمائه للمقهى التي كنا نجلس فيها .

 

عرفت بعد ذلك أن أكرم الوتري هو ابن أخ الدكتور المرحوم هاشم الوتري ، عميد كلية الطب العراقية آنذاك .. وأنه من طبقة لا أقول مترفة ، ولكنه يستحق معها أن يقعد مقعداً " برازيلياً " ! . . ولكن الذي ظلّ يشدّه إلى مقاهينا ، وإلى حياتنا ، أن الشعر كان قضيته الكبرى .. وقد وجده هنا ! .

 

كان حاضر البديهة ،لاذع النكتة،سريعها .. وحين يروي نكتة ، يرويها بنفس الهدوء والوقار اللذين يقرأ بهما قصيدته ! .. وبينما ننفجر نحن ضحكاً ، ما كان يضحك من أكرم إلا عيناه ، ومسحة ابتسام خفيفة على وجهه ! .

 

كانوا جبلاً رائعاً .. ولهذا استطاعوا بصدقهم ، وبمواهبهم الكبيرة ، ودأبهم الذي لا يعرف التعب .. ورهبانيتهم التي ترفعت على كل التواطؤات ، أن ينعطفوا بالشعر العربي انعطافته الكبرى في أواخر الأربعينات وأوائل الخمسينات .

 

مرة دُعينا إلى تسجيل ندوة شعرية في الإذاعة. كنا طلاباً .. وكنا أربعة هم – إذا لم تخنّي الذاكرة - * : السياب ، ورشيد ، وأكرم ، وأنا . كان ذلك في أواخر الأربعينات . قالوا لنا :" إقرأوا ما تشاءون من ِشعركم ، ولمدة نصف ساعة ، حتى ولو كان شعراً سياسياً مناهضاً للدولة . وَوعدونا بأن لا يحذفوا منه شيئاً . وسجّلنا الندوة .. وأذيعت كما هي .. وكوفئنا عليها بأربعين ديناراً ، لكل منا عشرة دنانير..وطلبوا منا أن نتعاقد على ندوة في كل أ سبوع .

 

لكي يعرف القاريء الكريم معنى كل ذلك،أذكر له أن الراتب الشهري لخريج الجامعة آنذاك كان ثمانية عشر ديناراً .. وراتب المدير العام في الدولة كان في حدود الخمسين ديناراً .. وفي ذلك الزمان ، ما كان يصل إلى درجة مديرعام إلا من أمضى قرابة نصف قرن في الوظيفة! . معنى هذا أننا كنا سنتقاضى راتب مدير عام ونحن طلبة ، خيرنا مَن يصله مِن أهله ، وهو في القسم الداخلي ، ديناران في الشهر ! .

 

يومها ، ذهبنا نحن الأربعة إلى شارع أبي نؤاس .. شربنا ،وضحكنا ، وتذكرنا - ونحن نحتفل – رواتب أهلنا التي يرسلونها إلينا .. وبين الضحك والسخرية ، ناقشنا هذه المبادرة الغريبة من قبل الإذاعة ، فتوصّلنا إلى أنها عملية لجرّ الرِّجل .. بعدها ، وبعد أن نعتاد على العيش بأربعين ديناراً في الشهر ، سيسألوننا أن نغيّر البيت الفلاني ، وأن نحذف البيت الفلاني .. ثم بالتالي أن نكتب كذا ، وكذا !

 

ولم نذهب بعدها للإذاعة ! .

 

 * * *

 

أصدر أكرم الوتري مجموعته المتفرّدة ( الوتر الجاحد ) عام 1950 على ما أتذكر ، لأن ديوانه لم تُـثـبَّت عليه سنة الطبع .. بعدها رفض أكرم أن يكتب الشعر !

 

إلى الآن أذكر كيف كنا نضيّـق عليه الخناق في مجالسنا ، فيصرّ على الإعتذار قائلاً :" الكلمة المطبوعة مسؤولية كبيرة أخاف منها ! " . كنا نقول له : يا أكرم الذي يكتب مثل كتابك لا يحق له أن يخاف من مسؤولية الكلمة .. فكان يقول : بل يجب أن يكون خوفه أكبر ! .

 

من أين لنا اليوم هذا الصدق ، وهذا الإحساس بالمسؤولية يا أكرم ؟ ! .

 

إلى اليوم .. كلّما رأيت عينين جارحتَي الحزن ، أردد قول أكرم :

 

عيناكِ أجملُ ما رأيت وما أ شاعَ بيَ الخشوعْ

 

لِمَ تسألانِ ولا سـؤال وتبكـيانِ ولا دمـوع !

 

 * * * ~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

 

 * ساعة القشلة .. قصيدة { بغداد الحزينة } من ديوان { الوتر الجاحد } .

 

 * ( التحايا ) قصائد ابتكرتها المجموعة ، تُكتب في هجاء شاعر غالباً ما يكون من بين أفرادها ، وأحياناً من خارجها .. وتكون ( التحية ) منظومة على رويّ قصيدة مشهورة له . وقد اتّسعت هذه الهجائيات حتى شملت عدداً كبيراً من الشعراء ! . * إذا حصل أيّ التباس في هذه الذكريات ، فالوحيد الذي يستطيع تقويمه ، أو إيضاحه هو الشاعر رشيد ياسين ..أولاً لذاكرته العجيبة بحيث رأيته يحفظ حتى اليوم معظم التحايا التي كتبناها عن ظهر قلب ! .. وثانياً لأنه واكب معظم أحداث هذه الذكريات .

 

 

 

 * * *

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 حسين مردان

 

 ( 1 )

 

 *

 

 

 

 مُتعَباتٌ خُطاكَ إلى الموتِ

 

 مَهمومةٌ

 

 يا حُسينَ بنَ مردان

 

 لكنْ تُكابرُ

 

 أيقَظتَ كلَّ المَلاجيءِ

 

 فانهَزَمَتْ

 

 مَن يُشاركُ ميتاً منيَّتَهُ يا بنَ مردان ؟

 

 مُنجَرِداً وحدَكَ الآن

 

 يُحشَرُ هَيكلُكَ الضَّخْمُ في ضَنْكةِ الموتِ حَشْراً

 

 وأنتَ تُكابرُ.. *

 

 

 

 * * *

 

 " أيا باه .. ! . دَخَلنه بالدَّربونه الضَّيْكه ! ."

 

كان حزيناً بشكل فاجع.. ساهماً ..أفلتت منه هذه العبارة وكأنّه يحدّث نفسه ، وهو يجلس إلى جانبي في سيارتي الخاصة بعد نهاية الدوام الرسمي . يومها طلب مني أن أوصله إلى بيت الأستاذ قاسم حسن ، وكان أبو عليّ على علاقة طيبة بابنته الدكتورة شهرزاد ، كما حدّثني .

 

في ذلك اليوم علم حسين أن داء النقرس الذي يعاني منه منذ أمد بعيد ، قد فعل فعله في قلبه ..ثم ما لبث أبو عليّ أن ضحك قائلاً :" تخيَّلْ .. داء الملوك يصيبني أنا ! ..الداء الذي تسببه كثرة اللحوم ، يصيب حسين مردان الذي أنفق حياته وهو لا يجد ما يأكل ! ." ثم التفت إلي سائلاً باستنكار مذعور : "هذا مجنون ؟؟ " . قلتُ مُباغَتاً: مَن ؟ .. فقال :" لَكْ دروح .. لو يصيرون خمسين عزرائيل مو عزرائيل واحد .. ما أسلّمهم نفسي ! ."

 

بعد أيام قلائل ، سلَّم أبو علي آخر أنفاسه في المستشفى إثْرَ نوبة قلبية ! .

 

حسين مردان واحد من أنصع وجوه الشعر في أواخر الأربعينات ، وأوائل الخمسينات .. ومن أكثرها جرأة وعفوية.. في الحياة وفي الإبداع على حدٍّ سواء .

 

كان أبوه شرطياً في محافظة ديالى .. ولأسباب عديدة ، لعلّ أوّلها الفقر ، لم يكمل حسين درا سته . لهذا ظلّ يحسُّ بعقدة لا تنفرج بينه وبين زملائه الذين يعرفون اللغة الإنكليزية ! .

 

مرة نُشرَتْ لي قصيدة صغيرة عنوانها ( مصرع إنسان ) .. كان ذلك في أوائل الخمسينات . كنا ، أنا وحسين ، جالسين في مقهى حسن عجمي . قرأ القصيدة ، ويبدو أنها أعجبته ، فالتفت إليّ قائلاً : " شوف .. آني لو أعرف خمس كلمات إنكليزي ، جان ذبّيتكم كلكم بالشط ! ". وظل حسين يعاني من عقدة جهله اللغة الإنكليزية حتى أواخر حياته .

 

رأيته في إحدى ليالي الصيف المقمرة في حديقة اتحاد الأدباء ، وبيده كتاب ( كيف تتعلم الإنكليزية في سبعة أيام ) . كان ذلك في أواسط السبعينات ..وكان أبو علي مزمعاً في وقتها على التمتع بإجازة شهر يقضيها خارج العراق .. وكنا مجموعة من الأدباء ، نشاكس أبا علي وهو لا يعيرنا أي اهتمام . . فجأة صاح مخاطباً نفسه : " شنو؟؟ مُون ؟؟! .. مون ، معناها قمر ؟؟! . القمر .. هذا القمر اليخَبّـل . . إسمه بالإنكليزي مون؟؟! .. ثم رمى الكتاب بعيداً في حديقة الإتحاد ، وهو يشتم كل من يتعلم هذه اللغة التي تسمي القمر " مون " ! . . وكادت بطوننا ، نحن أصدقاءه ، تنفجر من الضحك لكثرة ما شاكسناه تلك الليلة ! .

 

لا يمكن حتى للطفل أن يكون أكثر طفولة من حسين مردان .إنني أعجب حتى الآن كيف استطاع هذا الرجل أن يواجه كل أنياب هذا الزمن المفترس بلحم طفولته الطري طوال قرابة خمسين عاماً ! .

 

أميَلُ إلى القِصَر .. منتفخ العينين .. ممتليء الجسم قليلاً .. مشرَّب بالحمرة .. غزير ا لـشعر في شبابه ، ينسدل شعره على كتفيه .. يمسك بيده عصا غليظة ، ويقطع الطريق سيراً على الأقدام من ديالى إلى بغداد، لأنه لا يملك أجور سفر ! .

 

وتأتي حسينَ بنَ مردان مُنسَدِلَ الشَّعرِ للكتِفين

 

 عصاك الغليظةُ تضربُ بين ديالى وبغداد

 

 تَصعدُ مِعراجَ قَوسِك ْ *

 

 * * * يعذرني القاريء الكريم لأنني لا أدري من أين أُمسك بهذا الإنسان العملاق الرائع في إنسانيته !. إن عشرات المداخل تتفتح أمامي في لحظة واحدة ، كلُّها يطلّ منها وجه أبي عليّ مرحِّباً ! .

 

عرفت حسين مردان ، أوّل ما عرفته ، مع هذه المجموعة في مقهى حسن عجمي . كان ذلك في أواخر الأربعينات . إنك لا تحتاج إلى كبير عناء للتعرّف إلى هذا الطفل الكبير ! . إنه ينـزرع في أعمق أعماقك من أول جلسة تجلسها معه .. ثم ما تلبث أن تستمريء مشاكساته لك ، رغم حداثة معرفته بك ، ذلك لأن أبا علي لا يعرف أن يرسم خطوطاً من التحفُّظات بينه وبين الآخر ..بل هو لا يطيقها ، ولا يستطيع الإلتزام بها حتى لو فُرضَت عليه!. أن تُجالسه ، معناها أنك صديقه..وعندئذٍ لا حرج معك، ولا حرج منك .. وبهذا وصل حسين مردان إلى جميع القلوب ، تماماً كما يصل أكثر الأطفال طفولة ، إلى قلب كل من يراه .

 

كنت أنظر إليه في بداية معرفتي به ، بانبهار غريب لكثرة ما سمعت عن غرابته ، وعن مغامراته العاطفية ! . كان رغم رثاثة مظهره ، وفقره الواضح ، يلوح غريباً بشكل يلفت إليه الإنتباه . قلت في نفسي : " لعل هذا هو السبب في فتوحاته الغرامية تلك ! .".. ثم اكتشفت بعد ذلك أن كل ماكان يُنسَج حوله من قصص الهوى ، إنما كان من نسجه هو ! .. ساعدته على ذلك قصائده التي جمعها في ديوان ( قصائد عارية ).ويوماً بعد يوم بدأنا في داخلنا نسخر من أسطورة " معجبات أبي علي " وخاصة حكاية علاقته بالمطربة المعروفة عفيفة اسكندر .. إلى أن وقف حسين ذات مساء ، وقال وهو يهمّ بمغادرة المقهى : " أنا معزوم عند عفّاوي ، في ملهى - أظنه كان ملهى ليالي الصَّـفا - .. من منكم يعجبه أن يذهب معي ؟ " .. فما كان منّا إلا أن نهضنا معه أنا ورشيد ياسين .

 

ودخلنا إلى الملهى .. ورغم أن أحد العاملين فيه استقبل أبا علي بحفاوة بالغة ، وقادنا إلى منضدة محجوزة، إلا أننا بقينا في بداية الجلسة شديدي القلق من العواقب ! فنحن لا نملك ما يكفي لسدّ نفقات سهرتنا..ولا نستطيع أن نصدّق أن حسين يمكن أن يكون موضع اهتمام مطربة فاتنة مثل عفيفة اسكندر ، رغم البداية الموحية بالمعرفة .

 

وأمرَ أبو علي ، برهاوة صاحب الشأن ، أن يُجلب لنا الشراب والمزّة..وبين الكأس ، وعروض الملهى ، نسينا قلقنا وانغمسنا في الفرفشة ! . ثم أُعلِن عن فقرة السيدة عفيفة اسكندر .. وضجّت الصالة بالتصفيق .. وشدّدنا نحن من حملاقنا في المسرح لنتوثّق من سلامتنا ! .. ثم ظهرت { عفّاوي } ! .

 

المفاجأة الأولى لنا كانت دوران رأسها في القاعة ، حتى استقرّت عيناها على أبي علي ، فابتسمت حانية له رأ سها ! .

 

كان المفروض أن نطير أنا ورشيد فرحاً بحسن العاقبة ، ولكن الذي حصل أننا أكلَـتنا الغيرة من أبي علي ! .. وبدلاً من أن نشكره ، ونثني عليه ، رحنا نشاكسه بشكل موجع .

 

لا أنسى ما حييت ، بأي نوع من التسامح والحنوّ المشوبين بزهو لا يكاد يُرى ، راح يعاملنا أبو علي ! . ثم جاء النادل ليُعلِمنا أن حساب مائدتنا قد دُفع ، ثم انحنى على حسين قائلاً له بصوت خفيض :" ست عفيفة تنتظرك في سيارتها " ! . وكانت تلك مفاجأة السهرة الثانية ! . وبين انبهارنا المشوب بكثير من الغيرة والحسد ، غادرَنا أبو علي وهو يقول : " استمروا في سهرتكم .. كلوا واشربوا ما تشاءون ! . " والتفت إلى النادل قائلاً :" الحساب كله عليّ " ! .

 

بعد زمن ، عرفت بأن علاقة أبي علي بالسيدة عفيفة اسكندر كانت علاقة أخوّة , وصداقة حميمة ، وأنها كانت معجبة به إعجاب قارئة مثـقفة بشاعر .. وأن لعفيفة في بيتها مكتبة عامرة .. وأن أغانيها ، وخاصة حين تغنّي القريض ، كانت من انتقاءاتها هي ، وهي دليل أكيد على ما تتمتع به من رهافة ذوق ، وحسن انتقاء .

 

ثم بعد زمن طويل ، عرفت بأن أبا علي .. جميع علاقاته ، حتى الحسّية منها ، كانت هامشية .. وأن جميع بوهيمياته كانت احتجاجاً صارخاً على واقعه! . ~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

 

* * من قصيدة ( تنهض بين الحقائق ) ديوان {الخيمة الثانية} لصاحب الذكريات .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

حسين مردان

 

 ( 2 )

 

 *

 

كثيرة دعاوى أولادنا هذه الأيام !..كثيرة كُناهم ، كثيرة ألقابهم .. وكثيرة أسماء وأوصاف ما يكتبون ، وما لا يكتبون ! .

 

في أيامنا كان المبدع ، حتى ولو أتى خرقاً مذهلاً في الإبداع ، لا يتجرّأ على وضع تسمية مشعّة على ما فعل خشية أن يستخفّ به الآخرون ! . الجواهري بقضّه وقضيضه .. استكثر عليه بعضنا أن يسمي نفسه - في جريدته – شاعر العرب الأكبر ! .

 

في أيام أولادنا ، صار كل شيء ممكناً ! .. حتى أن يُسمَّى طفل من أطفالنا شاعراً عالميّاً .. وآخر شاعراً كونياً! .. ثم نبحث عن هذا بين الدول .. وعن ذاك بين المجرّات ، فلا نجد لهذا دولة ، ولا لذاك كوكباً ! .

 

قبل أربعين عاماً ، كتب حسين مردان ، رحمه الله ، ما يسمونه اليوم بقصيدة النثر .. ولكن حسين لم يجرؤ على تسمية ما كان يكتبه ( قصائد ) ، بل ا ستمرّ ينشر كتاباته تلك في جريدة { الأهالي } على ما أتذكر ، تحت عنوان { من النثر المركّز } . وياما كنا نتـندّر مع أبي علي ، الذي عرف مراكز الشرطة ، والمحاكم .. ودخل التوقيف آنذاك ، بسبب { قصائده العارية } .. ياما كنا نتـندّر معه بتسمية كتاباته تلك : " من نثر المركز " ! . ولو رجع أي باحث الآن إلى جريدة { الأهالي } في أوا سط الخمسينات لرأى نماذج من أجمل الشعر المنثور ، تتضاءل أمامها معظم دعاوى" قصيدة النثر " في هذا الزمان ، ومع ذلك لم يجرؤ صاحبها على تسميتها شعراً ! .

 

لم يكن أبو علي متواضعاً . كان شديد الإعتداد بنفسه لقد كان حتى آخر أيامه يطلق على نفسه لقـب ( الإمبراطور ) ! . كان يقول :" أنا امبراطور الأدب "

 

 

 

 

 

 

 

 ماذا جَنَيتَ ابنَ مردان ؟

 

 طفلاً لَهَوتَ بدُميَةِ عمرك َ

 

طفلاً سئِمتَ فحَطَّمتَها

 

حُلُماً عشتَ أن صرتَ مُستَوظَفاً

 

حُلُماً كان أن تشتري بَدلَةً

 

حُلُماً أن غَدَوتَ ، ولو مرّةً

 

 دائناً لا مَديناً

 

ولكنّهُ يا بنَ مردان دَقَّ

 

 ولم تَتَّسِخْ بَعدُ أكمامُ بدلَتِكَ الحلم

 

دَقَّ ،

 

 ومازالَ دَينُكَ ما حانَ موعدُ إيفائِهِ

 

دَقَّ ناقوسُ مَوتِكَ

 

 يا أيُّها الإمبراطور

 

يا أيُّهذا الموظَّفُ من قبلِ شهرَين ...*

 

 * * *

 

كان حسين يستدين من جميع أصدقائه ..وكانوا يقرضونه وهم يعلمون أنه لن يعيد إليهم شيئاً .

 

بعد ثورة تموز 1968، صـدر الأمر بتعيين حسين مردان - الذي كان لا يجد مكاناً يعمل فيه – معاوناً للمديرالعام للإذاعة والتلفزيون، براتب قدره مائة وخمسون ديناراً ، بعد احتساب مدّة عمله في الصحافة خدمة فعلية له .

 

ذُعِرَ أبو علي ، ورفض التعيين ! . كان يطوف بيننا وهو يتساءل متوجساً :" أنا ؟ .. أنا أتقاضى مائة وخمسين ديناراً في الشهر ؟؟! .. كيف ؟ .. ولماذا ؟؟ .

 

وظلّ أبوعلي رافضاً . أبلغ الدولة أنه إما أن يُعدَّل راتبه إلى ثمانين ديناراً فقط ، ويوافق على العمل .. أو لا ، فيرفض التعيين !.

 

وكان لأبي علي ما أراد !..وحُدِّدَ راتبه بثمانين ديناراً.وما تقاضى أبو علي أول راتب ، إلا وراح يدور بين أصدقائه متوسلاً إليهم أن يستدينوا منه ! .

 

واشترى بدلتين جديدتين ..وقبل أن تتسخ أكمامهما مات أبو علي ! .

 

 * * *

 

مرة كان قطار المربد يطوي بنا الطريق إلى البصرة . قال سعدي يوسف : " كانت الساعة قد جاوزت الثانية بعد منتصف الليل .. خرجت من كابينتي ، فرأيت حسين مردان في الممرّ ، ملصقاً وجهه بزجاج نافذة القطار وهو يحدّق في الظلام ..وكانت أصوات كلاب سائبة تُسمع من بعيد .قال سعدي " فسألت أبا علي عن سرّ وقوفه وحيداً هنا .. فأدار إلي وجهه ، وإذا بعينيه تملؤهما الدموع ، وهو يسألني : ترى، أين تذهب هذه الكلاب في هذا الليل ؟!."

 

ذات مساء شتائي غائم ، كنت أتمشى مع حسين في الباب الشرقي .. قال :" كتبت قصيدة جديدة ، أيعجبك أن تسمع ؟ ." قلت : بالتأكيد . فشرع أبو علي يقرأ :

 

إلى أين .. لا أدري .. أسيرُ بلا هُدى

 

 أُحدِّقُ في كلِّ الوجوهِ وأضحكُ ! فجأةً .. ومع معرفتي بمزاجية أبي علي .. ركبتني روح المشاكسة . قلت له مقاطعاً حال انتهائه من قراءة البيت : " شنـو.. أنـت مخبَّل ؟! ." فثارت ثائرة أبي علي ..وأنحى باللائمة على نفسه لأنه يقرأ شعره لأمثالي ! .. وعبثاً حاولت أن أسترضيه ليكمل قراءة القصيدة .. لقد تركني ومضى .. ! .

 

في مساء يوم من أيام الصيف ، في أواسط الخمسينات ، كنا نتمشى أنا وحسين في منطقة ( السّـنك ) حين ظهر أمامنا ، وبشكل مباغت ، صديقنا النحات خالد الرحال . وكان من عادة خالد – رحمه الله - أن يتباهى أمام أصدقائه بمشاريع عمله .. فما كدنا نسلم عليه ، حتى فتح حقيبته اليدوية ، وأخرج مجموعة من الأوراق ، كانت كلها صيغ عقود موقعة بينه وآخرين على مشاريع نحتية سيقوم بتنفيذها .. وكان ، مع كل ورقة ، يعرض علينا رقم المبلغ المتفق عليه وهو يقول :" شوفوا .. هاي بأربعين دينار .. وهاي .. شوفوا هاي بتلثميت دينار .." ، وما كاد يكمل حتى فاجأه حسين قائلاً : " لك أنت ما تستحي ؟؟ . شكد تحصّل فلوس ؟ . فد يوم إغلَط واعزمنه على ربع عرك " .. فما كان من خالد إلا أن انتخى في الحال .. واتجهنا إلى الباب الشرقي..واختار لنا خالد مشرباً يعرفه هو ، قائماً على سطح إحدى دور السينما هناك .

 

لم يكن معي ، ولا مع حسين فلس واحد .جلسنا ، وطلب خالد ربع عرق لكل واحد منا .. ثم وضع حقيبته الجلدية على ركبته ، وفتحها .. وراح يخرج منها أوراقها .. يفرّقها ، ويقلّبها ويقرأ ما فيها ..

 

وجاء العرق والمزّة .. وملأنا كؤوسنا .. وشرعنا نشرب . أغلق خالد حقيبته ، وأنزلها إلى الأرض ، بعد أن أخرج منها مجموعة من العقود والاتفاقيات المبرمة معه .. ثم شرع ، وبزهو الطاووس ، يقرأ علينا تفاصيلها .. وإذا بحسين ينتفض مقاطعاً الرحال :" لَكْ أنتَ علِمْ ؟..فهِمْ ؟؟ . كل هاي الفلوس دتحصّلهه بالكلاوات ! ".

 

ما كان من خالد إلا أن جمع أوراقه ، ووضعها في حقيبته ، ثم انتفض واقفاً وهو يقول :" آني رايح . إنتو إدفعوا حسابكم ! ".

 

وتملَّكنا ذعر حقيقي . وتشبّثنا بخالد مقدّمين له جميع فروض الإعتذار .. وخالد مصرّ على المغادرة . بعد جهد جهيد استطعنا أن نهدّيء ثائرة الرحال ، وأن نعيده إلى مجلسه .. واستمرّت عمليّة ترضيته بمديح مبالغ فيه ، حتى دفع الحساب . وما تجاوزنا باب المشرب ، حتى التفت أبو علي إلى الرحال قائلاً :"خو ما صَدَّكتْ كلْ هذا الحجي الكلناه ؟؟ .. تره إنتَ كل شي ما تفتهم ! .. وإذا ما يعجبك ، أنا مستعد أكتب هذا الرأي بالجرائد!. "

 

وانصرف الرحال غاضباً من جديد ! .

 

* المقطع من نفس القصيدة السابقة { تنهض بين الحقائق } لصاحب الذكريات في رثاء حسين مردان ، وهي منشورة في ديوانه ( الخيمة الثانية ) .

 

 

 

* * *

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 بلند الحيدري

 

 *

 

 

 

 أكادُ أثورُ لكنّـي

 

 أحِسُّ الغلَّ في أذني

 

 يوَلولُ ساخراً منّي

 

 ويصرخُ هازئاً : عبدُ !

 

 *

 

 عبدُ ..

 

 أنا المالكُ إيمـاني

 

 أنا الهادمُ والبـاني

 

 أنا إنسي وشيطاني

 

 أتَحسَبُ أيُّها القَيدُ ..؟

 

 فتَمتَمَ ضاحكاً : عبدُ !

 

 * * *

 

عندما نتحدث عن الرواد ، علينا أن نقف بخشوع كبير أمام تجاربهم الفريدة ، والمبكرة ! .

 

نحن في أواخر الأربعينات ..وهذا التكوين الشعري الغريب في إيقاعه ، الغريب في موضوعه ، هو واحد من تكوينات الرواد التي أحدثت الهزّة العنيفة في الشعر العربي كلّه في مطالع الخمسينات.

 

نادراً ما كنت أرى بلند الحيدري في جلساتنا في مقهى الرشيد ومقهى حسن عجمي ، ذلك أن بلند كان موزَّعاً بين انتماءين .. فلا هو بكلِّه لجماعة مقهى البرازيلية ، ولا هو بكله لحسن عجمي ! . إنه يذكّرني كثيراً بذلك الذي قال :" الصّلاة وراء عليّ أثوب .. واللقمة مع معاوية أد سم ! " . كانت تشدّه للبرازيلية مظهريّته ، رغم أنه لم يكن أكثر برجوازية من أكرم الوتري .. ولكن الفرق بين أكرم وبلند أن أكرم لو يكن يشرك بالشعر شيئاً ! .

 

 طويل القامة .. كثّ الشاربين .. عريض الوجه ، وسيم في المقاييس العامة للوسامة .. لا يكاد غليونه يفارق فمه .

 

شيء واحد نهض بيني وبين بلند منذ أول لحظة رأيته فيها وبقي حتى اليوم : غلالة ، رغم شفافيتها ، لم أستطع اختراقها إليه .. ولم يحاول هو تجاوزها ، لا إلي ، ولا إلى أي واحد من أفراد كوكبته كما يخيل إلي .

 

أتمنى هنا ، ومن كل قلبي ، أن لا يكون لمزاجي الشخصي ظلال على السطور التي أكتبها عن هؤلاء الأصدقاء ، وإن كان صعباً عليّ ان أبرّيء نفسي منها ! .

 

بقدرما كان رشيد ياسين جارحاً لفرط وضوحه واستقامته .. عدائياً أحياناً لفرط صراحته .. وبقدر ما كان السياب ، وهو القائل :

 

 والموتُ أهوَنُ من خطيّه !

 

بقدر ما كان ( خطيّه ) لفرط احتدا مه .. ولفرط بساطته ، وكثرة خيباته !.. وبحجم حياء البريكان ، وهدوء الوتري ، وطفولة حسين مردان ..وبالحميمية والصدق اللذين تشابكت فيهما وجوه هؤلاء الناس ، وعلاقتهم ببعضهم .. كنت أحسّ بوجه بلند الحيدري غريباً عنهم . لقد كان بلا ميزة واضحة .. كان بلا حميمية ! .

 

 لم أره مرة يضحك من كل قلبه .. أو يحزن من كل قلبه . لم أشاهده يغضب . كانت ضحكته غريبة .. جاهزة دائماً على شفتيه ، وبنفس درجة الإنفراج ! ، وفي حنجرته بنفس الصوت الغامض الذي لا تستطيع أن تتبين منه إذا كان صاحبه فرحاً ، أم ساخراً ن أم مجارياً لا غير ! . كان حيادياً بشكل صارم .. أملس مثل حصاة ! .

 

وكانت تجربته الشعرية مختلفة أيضاً . ففي الوقت الذي كانت تجارب جماعته تنصبّ كلها على الوطن ، أو على الذات ، برومانسية بالغة العذوبة ، كان بلند يكتب في موضوعات بالغة الإنتقائية .. وبطريقة بالغة الطرافة ، بدت شديدة التقدم على ما يزامنها من تجارب .. ثم أصبحت بعد قليل شديدة التخلّف عنها لأن صاحبها ظلّ في دائرة اللعبة الشعرية دون أن يستطيع الخروج منها إلى المحيط الأوسع للشعر ، ولا استطاع أن يطورها بما يبقي لها دهشة التلقي لتجاربه الأولى !

 

كنا نعلم أن بلند لم يكن ينتمي إلى عالمنا في حسن عجمي والرشيد .. ولكنني ، وقد جلست إليه ، وإلى جماعته في برازيلية الرشيد ، أحسست بأنه لا ينتمي إليهم هم أيضاً ! . ربما لهذا السبب انطفأ بلند سريعاً ، وغلبت عليه الكتابة النثرية والتنظير .

 

كان يخفي في داخله إحساساً ملحّاً بالتـفوّق .. هكذا كنت أشعر به وهو يتحدث .. وهو يقرأ قصائده .. وحتى وهو يعلّق تعليقاته المبتسرة على ما يسمع . إن بلند يكثّف حضوره في المساحة التي يبدو فارعاً متميزاً فيها ، فإن أحسّ أن ظلّه انكمش ،أو أن ظلاًّ آخر زاحم امتداده ، اختفى بلند من المكان ! كنت أحسّه هكذا في مقاهي الحيدرخانة .. وحاولت كثيراً أن أفسر إحساسي هذا تجاهه بنفوري من تعاليه .. ولكنّ تجربة مثيرة حصلت لي معه أكدت صدق حدسي هذا :

 

 جمعتني ببلند ظروف سفر إلى لبنان ..كان هذا في أواسط الستينات .كنت بحاجة إلى مرتكز ، وكان بلند - كما حدثني في سيارة نيرن طوال الطريق – هو دليلي إلى لبنان ، وواسطتي إليها ، لما له من معارف ، ومن موقع بين معارفه هناك .

 

وصلنا بيروت ليلاً .. ونزلنا في نفس الفندق ، وكان مع بلند زوجته وابنه عمر . في صبيحة اليوم التالي ، قال لي بلند : " سأعرفك بالأستاذ رئيف خوري ، فقد هاتفته ليلاً ، وأخذت منه موعداً " .

 

كنت قد التقيت برئيف خوري مرة واحدة في بغداد ، في حفل ألقيت فيه قصيدة قبل سنتين .. وكان معجباً جداً بالقصيدة كما نقل لي أحد أصدقائنا ، وكما عبّر لي هو حين كنا نودعه في المطار حيث قال :" أعود إلى لبنان ومعي ثلاث درر في منديل أبيض !" .. وقرأ ثلاثة أبيات من قصيدتي التي حضر إلقاءها .

 

ذهبنا أنا وبلند إلى حيث موعده ، في كازينو اسمها (الحمراء) على ما أتذكر .. كنت لحظتها أفكر إن كان رئيف خوري سيتذكرني أم لا . حين دخلنا ، كان جالساً في قعر الكازينو يكتب .

 

لا يمكن أن أنسى تلك اللحظة ! . حال دخولنا ، رفع رئيف رأ سه عن أوراقه ناظراً إلينا .. فأسرع إليه بلند هاتفاً :" كيفك يا رئيف ؟ ." الذي حصل أن رئيف ظل واجماً ينظر صوبي دون أن يمدّ يده إلى بلند ، قال بنبرة تكاد تشبه البكاء :" أنت معافى يا عبد الرزاق ؟!" . ثم أسرع إليّ يحتضنني ويقبّلني ..واعتذر بعد ذلك من بلند ! .

 

في مساء اليوم نفسه ، كان بلند قد رتب لنا موعداً مع الدكتور حسين مروّه ، والأستاذ محمد دكروب ، وآخرين .. ولم أكن قد تعرفت إليهم من قبل . ذهبنا معاً إليهم ، وتولّى بلند مهمّة تعريفنا ببعضنا .. وامتدّت بنا الجلسة ، فالتفت الدكتور مروّة إلي قائلاً : " بلند قدّمك إلينا شاعراً ، ولكننا لم نقرأ لك شيئاً ..فهلاّ أ سمعتنا شيئاً من شعرك ؟" .

 

لا أدري لماذا اخترت قصيدتي ( يا خال عوف ) المهداة إلى الجواهري . لم أكن أتوقع ردّ الفعل الذي حصل ، وعاصفة الإعجاب التي قوبلت بها ..وطلب إليّ الحاضرون جميعاً أن أواصل القراءة ، وفعلت .

 

الذي حدث – وكان من سوء حظي – أن بلند عرض أن يقرأ شيئاً من شعره في الجلسة ، وإذا بحسين مروّة يقول له ، وبالحرف الواحد : " أبا عمر..كثيراً ما سمعناك ، ولكننا لم يسبق لنا أن سمعنا عبد الرزاق، فدعنا نكرّس هذه الأمسية له ."

 

استيقظت صباح اليوم التالي ، واتصلت ببلند في غرفته في الفندق ، فلم يردّ عليّ أحد . سألت استعلامات الفندق فقيل لي إنه ترك في الصباح الباكر هو وعائلته بعد أن سدّد حسابه ، ولم يترك أي خبر عن وجهته ! .

 

لم يكن لديّ عنوان أحد من هؤلاء الناس .. ولم أكن قد رأيت بيروت قبلها .. وذبحني الإحساس بالغربة ، والإحساس بالخيبة ، والحنين إلى بيتي وأطفالي ، فحملت نفسي بعد يومين وعدت إلى بغداد .. ولولا هذه الحادثة لكانت حياتي ، وحياة أسرتي كلها قد تغيرت ! .

 

لا تَهابي

 

هذه الريح التي تطرد من بابٍ لبابِ

 

هي ذاتي .. هي أعماقي التي تجهلُ ما بي

 

لا تَهابي !

 

 * * *

 

ساعي البريد

 

ماذا تريد ؟

 

أنا عن الدنيا بمنأىً بعيد

 

أخطأتَ لا شكَّ فما من جديد

 

يحملُهُ الغيبُ لهذا الطريد ..

 

 * * * أتمنى لشعرائنا الشباب هذه الأيام ، أن يتعلموا شيئاً من التواضع أمام تجارب كهذه .. وتكوين شعري كهذا ، كتب قبل عام 1950 !! .

 

~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

 

 * جميع ما ورد في الحلقة من مقاطع شعرية ، كلها من قصائد لبلند الحيدري .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

عبد الوهاب البياتي

 

( 1 )

 

*

بصراحة .. أوشكت أن لا أكتب عن البياتي لسببين : أولهما أن معرفتي بعبد الوهاب ليست معرفة عميقة ، فنحن ، وإن كنا طالبين معاً في دار المعلمين العالية .. هو في الصف الثالث ، وأنا في الصف الأول .. إلا أننا لم نكلم بعضنا خلال السنتين إلا مرة واحدة ، أهداني فيها ديوانه( ملائكة وشياطين ) ربما كان للجفوة بينه وبين السياب أثر في ذلك ، والسياب صديقي الأثير آنذاك . وربما لأن عبدالوهاب – كما يبدو لي – كان قليل الإختلاط بالطلبة .. هذا في أوقات الدوام ، أما بعد ذلك ، فالبياتي كان من أهل" البرازيلية ".. ولم يكن يلتقي مطلقاً بأهل حسن عجمي ! . وقد لاحظت أن الفجوة بين البياتي والسياب ، هي نفسها - إن لم تكن أكثر اتساعاً – بين البياتي وجميع شعراء المجموعة التي عشت معها .

السبب الثاني الذي أوشك أن يمنعني عن الكتابة عن عبدالوهاب ، أن معظم ذكرياتي عنه ليست وليدة عشرة حقيقية ..إنما هي أحداث مرّت بنا ، وانطباعات تولدت عنها .. وهي في معظمها ليست في صالحه ! .. فإن كتبتُ ، بدوت للقاريء وكأنني لست حيادياً في ما أكتب .. وماذا تراني فاعلاً وأنا لا أملك مادة للكتابة سوى هذه الوقائع التي هي ذكرياتي ؟!.

قلت أرجيء الكتابة عنه الآن ، ولكنني أحسست أن عيون القراء تكاد تنبت في وجهي وهي تسأل:وأين البياتي في ذكرياتك وأنت طالب معه ،وصديق له لفترة من الزمن ، وقد كتب مقدمة ديوانك ( طيبة ) .. وهو شاعر باذخ الشهرة ؟!.

لهذا قررت أن أكتب عن عبدالوهاب . سأكتب وقائع حدثت .. وسأحاول بكل أمانة أن أحافظ على تسلسلها الزمني ، فقد تعطي هذه الوقائع صورة ، وإن تكن غير متكاملة ، لهذا الشاعر المشهور .

لا أكتم قارئي أنني ، منذ هذه اللحظة ، سأ قسرنفسي على أن أكون حيادياً ، وأتمنى أن أفلح ! .. هل عرّيت نفسي بما فيه الكفاية ؟!

أحياناً أ سائل نفسي : أول كلمات عبدالوهاب لي ، يوم أهداني ديوانه الأول في ساحة دار المعلمين العالية ، كانت كلمات بالغة اللطف .. وكان صاحبها مفرطاً في الدماثة . بينما أول لقاء لي برشيد ياسين ، سمعت بعده تعليقه عليّ بأني أصلح أن أكون قصّاباً ، أما شاعراً فلا ..! ، ومع ذلك نفرت نفوراً عجيباً من البياتي ، وتعلقت تعلقاً عجيباً برشيد .. لماذا ؟؟! لأنني أحسست بصدق الثاني وحميميته ، حتى وهو يتحدث عني بهذه اللهجة الجارحة .. وبحيادية الأول ، وغربته عني رغم دماثة لهجته المشوبة بالتعالي ، وبالكثير من التصنع . ربما كنت مفرطاً في الحساسية لحظتها ، فقد كانت معي ملهمتي .. وعبدالوهاب – وهو معروف بأسلوبه هذا حتى اليوم – حاول ، أمام هذا الشاعر المستجد ، أن يبدو أستاذاً حتى في تواضعه ! .. ولهذا نفرت منه ! .

المهم أن هذا كان أول لقاء لي بعبدالوهاب .

كنت أتساءل : لماذا لا يشارك البياتي في مهرجانات دار المعلمين العالية الشعرية ، وكانت في وقتها ذروة المهرجانات الشعرية في العراق ؟ . قيل لي إنه يترفع عن القراءة مع الآخرين . ولكن ، كان في الآخرين السياب ، وشاذل طاقه ، ولميعة عباس عماره ؟ .. وقيل إن شعره لا يصلح للإلقاء ، بل للقراءة .. وقيل أيضاً إنه لا يحسن قراءة شعره .

في السنة التي تخرج فيها عبدالوهاب ،ألقى قصيدة في حفل التخرج ودّع بها دار المعلمين العالية . بعدها لم أ سأل لماذا لا يقرأ عبدالوهاب شعره ! .

ثاني لقاء كان لنا في أوا سط الخمسينات ، وكنا مفصولين معاً من الوظيفة . في تلك الفترة صرنا نلتقي بين وقت وآخر.كنا معدمين ، وإن كان عبدالوهاب أفضل مني حالاً نسبياً . أذكر أنه اقترح عليّ اقتراحاً بدا لي في حينها كبير الفائدة ، شديد الواقعية . قال :" كلانا يا عبد الرزاق نمرّ بضائقة شديدة..ومع ذلك فنحن نحتاج إلى القراءة . ألا ترى أن من الأوفر لنا لو اشترينا الكتاب مناصفةً ، وتأخذه أنت لتقرأه أولاً ، ثم أقرؤه أنا بعدك ، وأحفظه عندي ، ومكتبتي مكتبتك .

طرت فرحاً بهذا المقترح الذي يوفر علي نصف ثمن الكتاب .. بعد قرابة عشرين كتاباً ، التقيت ذات يوم بصديقنا الشاعر رشدي العامل .. ودارت بيننا أحاديث كثيرة .. ثم ، وعلى حين غرة ، قال لي : أتعلم أنني أوفر هذه الأيام نصف أثمان الكتب التي أشتريها ؟ . قلت وقد وخزني قلبي : كيف ؟ . قال :" اتفقت مع البياتي .. فقاطعته : على أن تشتريا الكتاب مناصفةً..وتقرؤه أنت أولاً .. ومكتبته مكتبتك !! . فنظر إلي مذهولاً .. وأدركنا كم كنا معاً مغفّلين ! .

 * * *

لي ابن عمٍّ ا سمه سليم غاوي عبدالجبار .. كان معنا طالباً في قسم اللغة العربية بدار المعلمين العالية .. وكان مشروع ناقد يلفت النظر ، لولا أن تشعبت به سبل الحياة .

 حين صدر ديوان ( أباريق مهشمة ) لعبدالوهاب البياتي كتب عنه سليم دراسة بالغة الدقة.. بالغة الذكاء . ما أزال أذكر حتى هذه اللحظة ، الدفتر ذا الخمسين ورقة الذي امتلأ حتى آخر صفحة فيه بتلك الدراسة النقدية المذهلة . قال لي سليم :"أريد أن أقرأ علىالبياتي كتابتي هذه عن مجموعته ." قلت : بسيطة . نذهب معاً إلى البرازيلية ، وأعرفكما ببعض ، واقرأ عليه درا ستك ، وهكذا كان .

ما يزال سليم حياً - أمدّ الله في عمره - * ، ويذكر هذا الحدث بتفاصيله لأنه كلفه ضياع بحث كان عزيزاً عليه ..وأشهد أنه كان عزيزاً على النقد الأدبي في وقته .

جلسنا ، نحن الخمسة ، في مقهى البرازيلية..وبدأ سليم يقرأ ونحن نستمع . في نهاية درا سته ، توصل سليم إلى الحكم التالي ، قال: " عندي أن الغموض الذي يكتنف هذه المجموعة راجع إلى واحد من سببين : إما أن البياتي طاريء على الفكر التقدمي ، لم يستطع استيعابه بعد ، ولا تمثله ، ليكتب عنه بوضـوح .. أو أن أداة الشاعر ضعيفة إلى الحد الذي لا تنهض معه بمهمة التعبير عن أفكاره بوضوح . "

أتدري عزيزي القاريء ماذا كان ردّ البياتي على هذا الاستنتاج ؟ . لقد قال جملة ما زلت أذكرها حرفياً حتى اليوم : " يَعمِن أعتقد السبب الثاني هو الصحيح ." !!

ما كان مني إلا أن ألتفت إلى عبد الوهاب قائلاً له دون أدنى تحفظ : " سخَّم الله وجهك .. ماذا بقي إذن منك ؟! " .

أرسل سليم دراسته إلى مجلة ( الثقافة الجديدة ) .. وبقدرة قادر ضاعت الدرا سة ، أو ضُيّعت ، فما نشرت ، ولا عثر لها على أثر !! . حين سألنا عنها بعد وقت طويل ، قالوا لنا : " شاعر كسبناه .. فما المصلحة في أن تهاجموه ؟؟ .. هكذا ! . وضاع المقال .. وبدا أمامنا واضحاً ماذا يعني الإبداع عند هؤلاء المعبَّئين بلا شيء سوى الوصول إلى السلطة ! .

نحن في عام 1956 . كنا عدداً كبيراً من المثـقفين والأدباء مفصولين من وظائفنا ، واستُدعينا فجأة إلى دورة الضباط الإحتياط . . المتزوجون في بغداد ، والعازبون في معسكر السعدية في ديالى . كان عبدالوهاب متزوجاً ، وكنت أعزب . وكان بين المتزوجين ابراهيم كبّه ، وطلعت الشيباني ، وفيصل السامر .. وآخرون . وبين العزّاب صلاح خالص ، ويوسف العاني، ومظفر النواب ،وعبدالملك نوري ..وآخرون . كنت في حينها قد باشرت طباعة مجموعتي الشعرية ( طيبة ) في مطبعة الرابطة ببغداد فبثثت قلقي لعبدالوهاب .. من سيتابع المجموعة ؟ ..من سيشرف على مراجعتها وتصحيحها وأنا في ديالى ؟؟ .

لا أنسى فرحي ساعتها عندما تبرع عبدالوهاب بالقيام بالمهمة عن طيب خاطر .

بعد قرابة شهر ، عدت من المعسكر في إجازتي الشهرية .. وحال وصولي أسرعت إلى عبدالوهاب ، فبشرني بأن المجموعة تمّ طبعها على خير ما يرام ، وأنه كلف صديقه الفنان المصري أحمد مرسي برسم غلافها ، وأشرف بنفسه على تصحيحها ،وهي الآن جاهزة للتسلّم .. وذهبنا معاً إلى مطبعة الرابطة .

لست أشكّ في أن عبدالوهاب يتذكر هذه اللحظات بكل تفاصيلها .. وقد أعدتها عليه في أحد المرابد أمام أكثر من عشرين شاعراً وأديباً عربياً .

ونحن في الطريق إلى المطبعة ،لاحظت أن عبدالوهاب يزداد توتراً بعد كل خطوة تدنو بنا إليها .. ثم فجأة .. قبيل أن نصل بمسافة قصيرة ، أوقفني قائلاً : " يَعمن .. أنا بحكم الصداقة ، سمحت لنفسي أن أكتب مقدمة لمجموعتك !! " .

نزل علي الخبر نزول الصاعقة ..فوقفت منعقد اللسان ، لا أدري ماذا أ قول . المجموعة مرزومة ، معَدَّة للتسليم وعبدالوهاب كان مخوّلاً من قبلي بمتابعتها ، والتصرف بها .. فماذا يجدي أي قول الآن ؟ ! .

قلت : "ولكن كيف ؟ ..أنا لم أكلفك أن تكتب لها مقدمة . بدر أراد ورفضت .. وصلاح خالص أراد ورفضت .. فكيف فعلت أنت ذلك حتى دون أن تستأذنني ؟ . قال : " أنت كنت خارج بغداد ، ولا سبيل إلى الإتصال بك في المعسكر.. ثم لماذا أنت منزعج هكذا ؟! .. سترى كم هي جميلة ، ومنصفة ، المقدمة التي كتبتها لك ! .

كاد الدم يتفجر من عينيّ فرط الغيظ ، ولكنني لم أستطع الكلام .. أولاً لأن الواقعة وقعت ، وأي كلام لا يغير منها شيئاً الآن ..ثانياً ، لأنني كنت مديناً لعبدالوهاب بفضل متابعة الديوان وتصحيحه .

ووصلنا إلى المطبعة .. وقرأت المقدمة .. وإذا بي أجد فيها ما يلي : ( كنا صديقين في دار المعلمين العالية ..) قلت : " ولكن هذا ليس صحيحاً يا عبدالوهاب . في دار المعلمين العالية لم نكلم بعضنا أ ساساً ." قال - وكأنني أتذكر الآن لا الكلمات ، بل الحروف نفسها – ( وماذا يضر ذلك ؟ . أنا أردت أن أعطي لصداقتنا عمقاً زمنياً فهل في ذلك ضير ؟؟ . ) قلت : " ولكنه كذب ." قال :( ليس فيه ضررعلى أية حال! )

وا سترسلت في القراءة فوصلت إلى بيت القصيد . قال عبدالوهاب في المقدمة : ( كان عبد الرزاق يقرأ لي أكثر قصائده التي يكتبها ، فكنت أرضى كل الرضى عن بعضها ، وأسخط كل السخط على بعضها الآخر . ) .

قلت : " أنا ؟ ..أنا يا عبدالوهاب كنت أقرأ لك شعري ؟ منذ متى ؟ .. وأين ؟ .. وكيف ؟! . أنا لم أقرأ أمامك في حياتي بيتاً واحداً ، فكيف نصّبت من نفسك أستاذاً لي ، ترضى عني ، وتسخط عليّ ؟! " .

جميع محاولات عبدالوهاب في تبرير كتابته كانت بائسة .. وكنت أنا الأشد بؤساً ..يومها بدوت غريقاً ..وخسرت صديقاً إلى غير رجعة .

حتى هذه اللحظة .. كلما تذكرت تلك الحادثة اشتعلت غيظاً . ورغم أني أشرت إليها مراراً ، وعلى أصعدة أدبية مختلفة ، فقد ظل يحفر قلبي ذلك الاستغفال الذي يفتقر إلى المروءة ! .

 

 

* * *

 

 

عبدالوهاب البياتي

 ( 2 )

 *

 

ورفعتَ رايَـتكَ الصّغيرةَ في وجوهِ الطيّبينْ

 وهَمَستَ : إني منكمو..

 ومضَيتَ مرفوعَ الجبينْ

فَرِحاً تُغَنّي الشّمس .. شمسَ ظهيرةِ الفجرِ القريبْ

ويداكَ حباً تَرسمان حمامةً بيضاء تحتضن الصليبْ

لكنها الأيام دارت والسنينْ

فإذا برايتكَ الصغيرةِ في الوحول ،

 وفي طريق الميّتينْ

وإذا بِ"إني منكمو"

 تنصبُّ في آذانِ أعداء الرجال الطيبينْ !

 * * *

 

هذه القصيدة عنوانها ( خيانة ) .. وهي واحدة من أفضل قصائد البياتي .. وكانت آخر طعنة وُجّهت إلى قلب السياب وهوعلى فراش الموت. لقد كانت القصيدة موجهة إليه !

 * * *

نحن في عام 1959 . وكنتُ رئيس أول وفد عراقي يزور الإتحاد السوفياتي آنذاك بعد ثورة تموز 1958 . بعد وصولنا إلى موسكو بثلاث ساعات ، زارني في الفندق وفد من ثلاثة أ شخاص: رئيس القسم العربي في إذاعة موسكو ، والمترجمة المعروفة " أللاّ كراد سكايا ، التي ترجمت الكثير من شعرالبياتي إلى الروسية..وممثل عن اتحاد الكتاب السوفييت . قالوا :" أُعلن رسمياً أن ا سم رئيس الوفد عبد الرزاق عبد الواحد ..فهل هو نفس الشاعر الذي نذيع له أحياناً قصائد من إذاعة موسكو ؟ ." قلت مبتسماً : نعم .

 استقبلوني بحفاوة بالغة .. وفي أول جلسة لنا مع بعضنا قالت المترجمة كرادسكايا :" كيف حال الشعر عندكم ؟ قلت: أحسن ما عندنا الشعر ! ." قلت مندهشة :" عجيب ! . لدينا شاعر تقدمي منكم ، ا سمه عبدالوهاب البياتي .." قلت : أعرفه ، فهو صديقي .قالت :"ولكنه يقول ( ليس في العراق شعراء .هناك شاعر قديم ينسج على منوال شعراء القرون الوسطى ، اسمه الجواهري .. وهو شاعر لا يفهمه أحد !! ، ولا يحبه أحد !! . وثمّة شاعر آخر شاب ا سمه السياب .. هذا بعيد عن هموم الناس ومعاناتهم !! . . إنه غريق في ذاتياته . أنا وحدي أتحمل عبء الدفاع عن الإنسان العراقي .. يحفظ شعري الرعاة ، وصيادو الأسماك !! ) .

ضحكت وأنا أقول : " سيدة كردسكايا .. للرعاة وصيادي الأسماك في العراق شعرآخر يغنونه،إن كانوا يغنون ! هو غير شعري ، وغير شعر البياتي ." قالت وهي تنظر إلي بما يشبه الإتهام : " ولكن الذي أعرفه أنهم يغنون شعر البياتي وهم يلقون شباك الصيد .. ثم وهم يسحبونها .. أحدهم يغني ، والآخرون يرددون بعده .!! " .

كنت أحاول أن أتملص من هذا الحديث الذي أخذ يحرجني أكثر مما يحرج البياتي .. وذلك أن الناس احتـفوا بي كعراقي احتـفاء مبالغاً فيه إكراماً لثورة العراق التي أرأس أول وفد لها إلى بلادهم .. وعملية تكذيب شاعر عراقي معروف لديهم بتقدميته ، وفي كل كلمة قالها ، مسألة تسيء لي ولبلدي ، وتعطي عنا فكرة توجع القلب ! .

يا دكتور علاء الخزرجي .. من أين لي بك الآن ؟! . لقد كنتَ يومها طالباً في الإتحاد السوفياتي .. يوم زرتـني في فندقي مستنجداً وأنت تقول : "أدركنا يا أستاذ عبد الرزاق . إن عبدالوهاب البياتي يضعنا كل يوم في مأزق لا نُحسد عليه ." وحين سألتك : ماذا فعل ؟. قلتَ :" لقد ادعى أنه حكم عليه بالإعدام مرتين .. وفي المرتين ثار الشعب العراقي بأسره ، وأنقذه في اللحظات الأخيرة من حبل المشنقة !!".

أتذكر ذلك يا دكتور علاء ؟! ..وهل تذكر ما حدّ ثـتَني به عن ورطة الشاعر التركي الكبير ناظم حكمت ، حين كتب عن البياتي يقول : ( إن شاعراً يحكم عليه بالإعدام مرتين .. ويثور شعب بأسره مرتين لإنقاذه من حبل المشنقة ، لشاعر جدير بأن يُقرأ !! ) . . أتذكر ذلك ؟! .

ولم أ ستطع أن أقدم لك عوناً حين ا ستنجدتَ بي يا دكتور علاء .. فماذا كان يمكنني أن أفعل ، سوى أنني قلت للمترجمة كردسكايا : " أيتها السيدة . إن أكبر طلائع النضال في وطني كانوا من الشعراء .. وسأرسل لك شهوداً من دواوينهم " وأرسلت بعد عودتي 58 مجموعة شعرية عراقية ، تعكس أصالة هذا الوطن الذي أنكر البياتي حتى نضال إخوته فيه ! .

 * * *

المثقفون في العراق يعرفون جميعاً الحادثة التالية..ويتندرون بها .. ( عشرون قصيدة من برلين ) .. مجموعة شعرية للبياتي صدرت وداخلها عشرون لوحة لواحد من أكبر رسامي المقاومة الألمان في الحرب العالية الثانية..مع كل قصيدة تخطيط .الذي لفت نظرنا في وقتها أن كل قصيدة والتخطيط الذي معها كانا بمثابة ترجمة حرفية الواحد من الآخر .

في صدر المجموعة ثُبـِّتتْ بزهو شديد العبارة التالية : (التخطيطات الداخلية ، رسمها خصيصاً للمجموعة الرسام العالمي الشهير فلان الفلاني .)

يومها ، كان هذا حدثاً هزّ الوسط الأدبي والثـقافي بأسره .. لا لأهمية قصائد المجموعة ، فهي أ سوأ شعر البياتي .. ولكن لأن هذا الرسام العالمي الكبير يتبرع بترجمة عشرين قصيدة لعبدالوهاب ترجمة متقنة إلى لوحات ! .

يوم واحد مرّ على صدور المجموعة . كنا شلّة أصدقاء بيننا المرحوم ناظم توفيق .. وكان واحداً من أبرز مثقفي جيلنا. فجأة اختطف ناظم المجموعة من يد صاحبها وهو يردد : " هذه اللوحة أعرفها .. أنا لا أخطيء .. ذاكرتي لا تخطيء ! " .

وذهب ناظم إلى بيته .. وانصرفنا إلى بيوتنا . بعد أيام جاءنا ناظم ومعه عدد من مجلة الحرب العالمية الثانية .. فتح المجلة، وإذا بنا أمام اللوحة التي أ شار إليها في الديوان ! .

بعد شهور رُويَت لنا الطرفة التالية : قالوا .. في إحدى سفرات البياتي لأوربا ، التمس من بعض معارفه أن يوصله إلى رسام المقاومة الألماني المشهور ( فلان الفلاني ) .. وأثناء زيارته له طلب البياتي صوراً من بعض تخطيطاته للذكرى ، فاستنسخ له الرسام عشرين تخطيطاً .

خلال أيام قام البياتي بترجمة الخطوط إلى كلمات ، ترجمة حرفية .. ووصلت نسخة إلى الرسام فثارت ثائرته .. كيف أقدم شاعركم على نشر لوحاتي في كتابه دون استئذان ؟؟! ..فلما قيل له إن صاحبنا كتب على غلاف مجموعته أن التخطيطات رُسمت خصيصاً للقصائد ، جُنّ جنون الرجل ، وراح يردد :" ولكنكم قلتم لي إنه شاعر تقدمي .. وإنه مضطهد بسبب تقدميته !! " .

 

 عبدالوهاب البياتي

 ( 3 )

 *

في أحد المرابد عقد معي الدكتور رجاء نقاش حديثاً مسهباً عن الشعر في العراق . خلال الحديث ، سألني رجاء عن تبادل المواقع الذي حصل بين السياب والبياتي ،وكيف وصل الثاني إلى مجلة (الثقافة الجديدة ) وتصدرها .

في اليوم التالي ، بينما كنت جالساً مع مجموعة من الشعراء والأدباء العرب في صالة الفندق ، إذ أ قبل البياتي ، وطلب إلي وكله يرتجف ، أن نتحدث على انفراد . قمت من مكاني ووقفنا غير بعيد عن المجموعة كانت أمامنا منضدة..وإذا بعبد الوهاب يخط بإصبعه على المنضدة وهو يقول : " يَعمن .. أنا أقدر أخط اسمك.. وأمحوه ! . " قلت بشكل مفاجيء :" أيـَّباه !! .. بأية قوّة تتكلم الآن عبدالوهاب ؟..بقوتك أنت .. أم بقوّة مضافة ؟! " قال : أنا حذّرتك ." قلت : " إ سمع يا عبدالوهاب .. أنت تعلم عن نفسك كل شيء . ربع ما تعلمه عن نفسك كفيل بتهديمك تماماً ! .. وأنا أعرف أكثر من هذا الربع !! ."

فجأة تحولت لهجة عبدالوهاب إلى ما يشبه البكاء وهو يقول:"لماذا لا تريدونني أن أعود إلى وطني ؟.إنني أحاول الرجوع إلى أهلي وبيتي ، فلماذا تضعون الحواجز في طريقي ؟؟ ."

قلت : " الآن .. وبعد أن تضع تهديداتك البائسة جانباً .. يمكننا أن نتفاهم . قل لي ، ماذا وضعت أنا في طريقك ؟؟."

كان رجاء النقاش قيد خطوتين منا ..وكان يسمع كل كلمة من حديثنا .. وسمعه الأدباء الآخرون أيضاً .

قال عبدالوهاب :" ماذا قلت في مقابلتك لرجاء النقاش ؟ ." في تلك اللحظة ، وثب إليّ رجاء مقسماً .. قال : " والله يا عبد الرزاق .. لم أ قـل له أي شيء ، ولكنني عقدت معه لقاء بعد لقائي معك .. وقلت له في اللقاء : يقول بعض معاصريك أنك استغلّيت الفجوة التي تركها السياب بانسحابه من الشيوعيين ، وهرعت لملئها.. قال رجاء : فأوقف البياتي اللقاء .. وذهب سائلاً عمّن عقدتُ معه مقابلة أمس ، واهتدى إليك ! . أنا لم أخبره شيئاً ."

قلت : "طيّب يا عبدالوهاب . ماذا تريد الآن ؟ ." قال :" إلغاء ما قلته لرجاء النقاش عني وعن بدر ."فالتفتُّ إلى رجاء قائلاً : "أخ رجاء .. إمسح من الحديث كل ما يتعلق بعبدالوهاب . "

شكراً .. قالها عبدالوهاب ، واندفع مسرعاً إلى رجاء : " هيا بنا .. سنمسح هذا ، ونواصل حديثنا !!. "

هل خرجتُ عن واقع الحديث بكلمة واحدة يا دكتور رجاء ؟؟ .. أنت شاهد على كل كلمة فيه ! .

 * * *

سيقول لي القاريء:كنت تحاول أن تتجنب الكتابة عن البياتي ،وإذا بك تكتب عنه أكثر مما كتبت عن أقرب أصدقائك إليك !! . فأقول : لن يمتدّ لقائي بالبياتي إلى أكثر مما ذكرت . لقد جمعته كله في هذه الصفحات لكي لا أعود إليه في غيرها ،ذلك لأننا لم تتداخل بيننا تفاصيل الحياة إلا بقدر محدود .

يوماً ما كنا أنا وسعدي يوسف ،ومعنا قرابة مائة شاعر من مختلف أنحاء العالم ، نركب الطائرة بين بلغراد ومكدونيا ، متوجهين إلى مهرجان (ستروكا ) الشعري العالمي .. كان ذلك في أوا سط السبعينات .. وإذا بأحد الشعراء الأجانب يقول : " هناك الآن شاعر أقصى أمنية لديه في هذه اللحظة أن تحترق هذه الطائرة ! ." فالتفت سعدي إليه قائلاً : " البياتي ! " وإذا بصاحبنا يضحك ضحكة عالية وهو يقول :" كيف عرفت ؟ " قال سعدي: " إنه صديقي ! ."

حين أتجاوز هذه الوقائع ، وغيرها كثير .. وأنصرف إلى عبدالوهاب الإنسان ،خارج حدود نرجسيته الأدبية .. أجد مادة ممتعة أخرى للحديث عن عبدالوهاب .

أثبت هنا أن البياتي محدّث بارع ، وإن كان جلّ حديثه في ثلب الآخرين ! . وهو كريم النفس .. سخيّ اليد..لطيف المعشر حين لا يزاحمه المعشر على شيء ! . أما أنك لو قلت أمام البياتي بأن هناك عتّالاً يستطيع أن يحمل نصف طنّ من الحديد ،لزعل البياتي،وكذّب الخبر !.. ذلك أن عبدالوهاب لا يريد أن يسمع بإنسان لديه صفة متفوقة ، حتى ولو كان شيّالاً ! .

حدثني مرة شاعر عراقي معروف ، قال : " التقيت بعبدالوهاب في معرض الكتاب في القاهرة . كان ذلك قبل حوالي عشرين عاماً . يقول صاحبنا الشاعر : وكان عبدالوهاب كلما صادفنا أديب ، وسلّم على أبي علي .. قدّمني إليه قائلاً : " أعرفك بالأستاذ فلان .. أول رئيس للإتحاد الفلاني في العراق ! ." فلما كان المساء .. وتناولنا كأسين أو ثلاثاً ..خرجنا نتجوّل في شوارع القاهرة ليلاً.. وعند أحد المنعطفات ، وجدنا رجلاً كهلاً يبيع المشويات في عربة ، فاقترح البياتي أن نتعشى عنده . قال صديقنا الشاعر : كان أبو علي منتشياً .. فوضع يده على كتف بائع المشويات وهو يقول :" إعتنِ جيداً بالطعام .. فصديقي هذا واحد من ألمع الشعراء في العراق ! .""

ويضحك صديقنا الشاعر من كل قلبه وهو يواصل التذكر قائلاً :"التفتُّ إلى أبي علي متسائلاً وأنا أضحك:يا أبا علي..ألم تتذكر كوني شاعراً إلا أمام بائع المشويات؟! "

هذا هو عبدالوهاب تماماً !. وعبدالوهاب لاذع .. لاذع في نكتته ..لاذع في تعقيباته على الآخرين ، وفي ما يطلق عليهم من أوصاف .. وفي طريقة استعماله الصفة شيء أوجع من مجرد النكتة ! .. وهو يتقصده ! .

كان يحدثني مرة فقال : " دخل هذا الولد الذي يغنّي ." قلت : أيّ ولد ؟ . قال : هذا الطويل النحيف الذي يغنّي .. " وكنت أعلم من كان يقصد ، ولكنني تماديت في التجاهل لأرى الى أين يصل أبو علي ، فقال : هذا .. كريم .. فائز .. فوزي .. هذا الذي يغني ، أنت تعرفه ! " .

وكنت أعرفه ، وأعرف أكثر أن البياتي يعرفه أفضل من معرفتي .. ولكنه كان يظن أنه يقلل من شاعرية فوزي كريم بإهمال كونه شاعراً ، والتركيز على أنه يغنّي .

للتاريخ ، أثبت هنا أن أكثر ما أحببته من شعر البياتي ، تلك المقاطع التي كان يغنيها فوزي كريم بذلك الصوت والأداء الذي لا يُنسى ! .

هذا الولد " اليرتل " .. اليرتل بالرّاء ، أنت تعرفه.. وبعد مناورة طويلة ، أفهم أن عبدالوهاب يريد أن يقول شيئاً عن الشاعر المرحوم رشدي العامل ! .

ويبقى عبدالوهاب البياتي شاعراً أكثر شهرة حتى من المتنبي ..والجهد الشعري ، وغير الشعري ، الذي بذله من أجل شهرته ، يستحق عليه كل الإعجاب !

 * * *

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 مظفر النواب

 

 *

 

 د َسته شمع ، وَحَنّي باب العِينه

 بَس تطلع الرّجلين من هلطينه ! *

 * * *

كنا معتقلين في ( السعدية ) تحت عنوان ( دورة الضباط الإحتياط ) . كان ذلك عام 55 / 1956. هناك بدأ مظفر محاولته الأولى في الشعر الشعبي .

أنا أعرف مظفر منذ كنا طلبة في الجامعة ، كما أسلفت .. فقد كنت في دار المعلمين العالية ، وكان هو في كلية الآداب .. يومها كان يحب التي قال فيها :

 يَفلان العمرْ يَفلان

 يَفلان العمرْ يَشكَرْ ولَكْ يَفلان

 شيكَضّي العمرْ يَفلان

 وهَجْرَكْ دَومْ ؟!

 

 * * *

 

هذا الفتى الأسمر النحيل ، البالغ الرهافة ، الوسيم .. الدمث بكل معنى الدماثة .. الذي يستحيي من خياله ، كما تقول العامّة ! . أول يوم عرفته فيه كان يوم ألقى قصيدته عن (مرّوكي ) و ( السلام ) في سرداب كلية الآداب .. يوم تسبب في تلك الوقيعة بيننا وبين السياب!.

ومرت السنوات ، وأنا أسمع بمظفر ، ولا أراه إلا لماماً .. حتى عام 55 / 1956 .. حين التقينا فجأة في معسكر السعدية .

كان شيء خفيّ يشدنا إلى بعضنا .. ربما كان هذا إحساس جميع المعتقلين تجاه مظفر ، فقد كان من دفء الشخصية ، وحميميتها ، بحيث لا يملك من يختلط به إلا أن يحبه ! .. هذا الذي تملأ الشتائم المقذعة قصائده السياسية.. كان أرقّ من نسمة صبح بَليلة في صيف حار ! .ما سمعته يشتم .. ولا سمعته يرفع صوته إلا وهو يغني ! .. وحتى وهو يغني ، كان صوته ينثال انثيالاً مفعماً بحنين غامض عميق كما تبكي النواعير ! .

أحدث وجود مظفر في معسكر السعدية حركة غير إعتيادية .. فمظفر ، أولاً ، رسام بارع ، وخاصة بالألوان المائية .. وقد أنشأ – حال وصوله إلى المعسكر – مرسماً في غرفة من الغرف ، وصار يدعو إليه كل هاوٍ ليتعلم الرسم .. وكنتُ أحد الهواة ! .

وهو ، ثانياً ، ذو صوت شجي .. حين يغني ، وحين ينشد الشعر على طريقته الخاصة . إن الذي يسمع مظفر كيف يقرأ الشعر ، لا يلذ له بعد ذلك أن يسمع شعراً من فم سواه ! .

وقويت أواصر الصداقة بيننا . كنا نخرج إلى الأحراج في أطراف المعسكر قبيل الغروب ، ونجلس منصلتين للمساحات الفسيحة الشاسعة أمامنا .. وما يبدأ الظلام ، حتى يبدأ مظفر بالغناء .كان يغني أم كلثوم بشكل لا يمكن وصفه . لقد كان يضيف لأغانيها نبرة حسينية لا يعرفها إلا العراقيون ! .

يوماً ما ، جاءني مظفر إلى ردهتي مساءً وبيده حزمة أوراق .كنا قبيل أيام قد ارتطمنا بآمر الدورة لخلاف افتعله الآمر افتعالاً ، أصدر بعده أوامر بالغة التشدّد ، بالغة القسوة بحقنا . كنا نستعد لاحتفال في اليوم التالي ، لا أتذكر ماذا كانت مناسبته . قال مظفر :" عبد الرزاق..لقد بدأت بكتابة قصيدة شعبية . " قلت : أنت ؟ . قال :"إسمع وتعال شاركني في كتابتها ." ثم بدأ يقرأ :

 عرفتونه وعرفناكم بلفتونـه وبلفنـاكم

 بعد هيهات يحبابي بعيده نصطفي وياكم

 * * *

 بعد هيهات ذاك الفـات ما يرجع

 لا الضحكات لا الـويرات ما تنفع

 

 * * *

 عفيه كَلبك شكبره تحفر بير بالأبـره

 كَام الداس يا عباس بين الحربه والترباس

 * * *

حين ألقى مظفر القصيدة في الإحتفال ، كان تلقّي الجنود والمراتب لها تلقياً مذهلاً . لقد ظلت قصيدته حديث المعسكر لمدة طويلة .. بل إنها حُفظت من معظم منتسبي الدورة ! . تلك كانت بداية مظفر في الشعر الشعبي ! .

يوماً ما رأيت بأُم عيني ديوان{ الريل وحمد} لمظفر النواب ، وهو يباع في شارع الرشيد بالطريقة التالية :

كان الباعة أحداثاً.. ينقلون الكتاب بزنابيل كبيرة من مخزن في شارع الرشيد ، كلما وصلت ( جلّة ) منها ، تجمهر عليها الناس ، فلا يدري البائع وهم يتـناهبونها..من دفع ثمن الكتاب ، ومن لم يدفع ! وبعد دقائق تفرغ الجلة فيذهب صاحباها لملئها من جديد ! .

كان لي صديق محامٍ في الكاظمية..وكنت أسكنها آنذاك..وكان صديقي هذا يحب مظفر حباً لا ينافسه عليه أحد .. ويحفظ معظم شعره ، إن لم أ قـل كله ! . كنت ذات يوم جالساً في مكتبه ، ولديه جمع من العجائز الريفيين رجالآً ونساء ..جاءوا يوكّلونه في دعوى لهم . كنت أعرف طرافة صاحبي المحامي هذا ، وغرابة أطواره أحياناً . كانوا جميعاً يتحدثون إليه دفعة واحدة ..وإذا به يقول : "

 إ سمعوا . لن أ ستمع إليكم ما لم تستمعوا أنتم إلي أولاً ! .. فسكتوا جميعاً ..وإذا بالمحامي يحضر مسجّلاً ، ثم وضع فيه شريطاً وهو يقول : أريدكم أن تسمعوا هذا الكلام أولاً ..وأدار الشريط ..وإذا صوت مظفر وهويقرأ قصيدته الشهيرة { حمد يحمود يا بيرغ الشرجيّه }.. وبطريقته المعهودة في القراءة ، وصوته الذي يتدفق كهدير الموج ! .

ران علينا جميعاً صمت مطبق .. ومع امتداد القصيدة ، كنا نكتم أنفاسنا حدَّ أن كاد يسمع واحدنا وجيب قلبه .. وانفجرت إحدى العجائز بالنحيب في أواخر القصيدة .. ثم استغرقن جميعاً فيه ! .

التقيت بصاحبي المحامي بعد أيام فقال :"كنت أريد أن أسألهم إن كانوا يفهمون هذا الشعر ، ورأيت بنفسك الجواب ! .

في سنةٍ ما .. في بلدٍ ما .. التقيت بمظفر .لا أتذكر الآن ، ربما كان ذلك في لبنان . كان شَعره الكثّ الغزير قد تساقط كاشفاً عن صلعة قاسية حدّ الشتيمة ! . جلسنا معاً ساعات .. شربنا .. وتحد ّثـنا .. ولكنه لم يكن مظفر الذي عرفته قبل عشرين عاماً .. لقد تحوّل إلى أسطورة ! . ~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

 * إحدى قصائد مظفر الشعبية في دورة السعدية .

 * أول قصيدة شعبية لمظفر .. وقد كتبها على رويّ أغنية عراقية معروفة . وقصة كتابتها أن آمر الدورة ، قبيل ساعة واحدة من إصدار أوا مره المشددة ، كان قد ألقى علينا خطاباً مفعماً بالمودة ، والوعود المعسولة ، بدأه بقوله : " عرفتونه ، وعرفناكم .. " . أما قصة ( الويرات ) .. فكان كلما دخل النادي ووجد جماعة منا ، يصيح بالمتعهد : " الجماعه وير على حسابي " .

 

 * * *

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 لميعة عباس عمارة

 

 

 ( 1 )

 *

 وَيا لميـعةُ ، يا أزهى بَيادرِهـا

 

 يا زرعَ بيتي ، ويا قنديلَ جيراني*

يا أطولَ النّخلِ في ميسانَ أجمعِها

 وَيا أعَـزَّ الحَلا في تمَر ِميسـانِ!

يا بنتَ خاليَ ما أبقى الزّمانُ لنا

 ممّا حَدَوناهُ من رَكبٍ وأظعـانِ ؟

تُرى أأنبـأكِ العرّافُ ليلَتَهـا

 أ نّا سَنُصبحُ في السـتّين سـيّانِ ؟*

أنا هنا بينَ أهلي شبهُ مغترِبٍ

 وأنتِ فردٌ بلا أهـلٍ وأوطــانِ !

 * * *

 { أنا وعبد الرزاق عبد الواحد ، من بيت شعرٍ واحد .

 أنا أ رقُّ منه وأغزَل .. وهو أوفرُ عطاءً وأجزل ! .}

 ( لميعة .. في إحدى مقابلاتها الصحفية )

 *

أنا الآن بإزاء حالة خاصة. شاعرة احتواني وإياها سقف بيت واحد منذ أيام الطفولة المبكرة .. لميعة عباس عمارة .. ابنة خالي الوحيد .

لكي أرسم للميعة صورة دقيقة ، لابد أن أؤشر في ذكرياتي هذه أنها الإبنة الكبرى لأب له أربع أخوات، هو أخوهنّ الوحيد .. وأن والدها كان من أمهر الصاغة في العراق .. بل لقد بلغت بعض نقوشه على الفضة والذهب حدَّ الإعجاز . وكان إلى جانب ذلك من أمهر الخطاطين، حتىأن أول دواوين إيليا أبي ماضي كانت عناوين قصائده بخط عباس عمارة ، فقد كانا صديقين حميمين أثناء إقامة خالي الطويلة في أمريكا.وكان عباس عمارة شاعراً مرهفاً بالعامية والفصحى .. يتقن أكثر من أربع لغات قراءة وكتابة ، وحديثاً طليقاً .. برغم أنه لم يتخطَّ المرحلة الإبتدائية في درا سته . وكان من أمتع الناس حديثاً ! . ولأنّ خالي عباس عمارة كان وحيد أهله ، ولأنه كان كثير السفر والإقامة خارج العراق .. فقد أ قام في القاهرة ، وشمال أفريقيا ، بالإضافة إلى إ قامته الطويلة في باريس وروما، ثم أمريكا التي امتدت إقامته فيها قرابة عشر سنوات .. لهذا كله .. ولأن لميعة كانت مدلّلته بين جميع أهل بيته، فقداحتلّت موضع الصدارة في البيت دون منازع !

هنا لابد لي أن أ شير إلى أن بيت جدّي عمارة، الذي هو والد أمّي ، ووالد خالي عباس أبي لميعة ، كان مسكن العائلة كلها .. سواء في بغداد أو في العمارة أوائل انتقالنا إليها . لقد كان في البيت جدي وجدتي ، وبناتهما الأربع اللائي كانت والدتي المتزوجة الثانية بينهنّ .. ثم والدي ، وهو ابن أخي جدّي .. ربّاه في كنفه . وكان والدي غالباً ما يرافق خالي في سفره للعمل معه . تأتي بعد ذلك عائلة خالي ، وكانت تتكون آنذاك من خالي وزوجته ، وابنتيه لميعة ومليحة ، وابنه رجاء – رحمه الله -.. أما إخوتي وإخوة لميعة الآخرون ، فما كانوا قد ولدوا بعد .

وزوجة خالي – أم لميعة – بنت الرئيس الروحاني الأكبر لطائفة الصابئة آنذاك ..وكانت من أجمل من تقع عليهنّ العين من النساء ، وأهيَبهنّ مظهراً وحديثاً!. وهكذا فقد جمعت لميعة الكثير من جمال أمها وهيبتها، ومن موهبة أبيها وذكائه ولباقته .. معجونة كلها في مزاجية حادة ،وعصبية مفرطة ، تصل حدّ الرّعاف ( نزف الأنف الدموي ) كل يوم تقريباً .. فيدخلون رأ سها تحت حنفية الماء في عزّ الشتاء لكي يتوقف النزيف ، مما أثّر على صحة لميعة عموماً بعد ذلك .

بكل هذه المؤثرات ..مضافة إلى شخصيتها النافذة، والمتسلطة برغم طفولتها ، استطاعت لميعة أن تسيطر على البيت كله .. حتى كبار السن فيه ! . وكانت من شدة العناد أنها لم تكن تـنثـني عما تريد ، كائنة ما كانت النتائج .

على الرغم من أن لميعة لم تكن تكبرني بأكثر من ثلاث سنوات ، فقد ا ستطاعت بسرعة فائقة ، وفي سنّ مبكرة جداً ، أن تلفت إليها الأنظار ..ثم أن تحتل بعد ذلك مكانة مرموقة على صعيدَي الإبداع والدراسة ، وعلى صعيد الحياة الإجتماعية كذلك .

ما أزال أذكر حتى الآن أن أ مّي وخالاتي كنَّ يتطلّعن بانذهال مفعم بالمحبة ، إلى فم لميعة وهي تتحدث .. وكنَّ يحفظن الكثير مما كانت تقول ، ويتمثّلن به ، لاسيما أبيات الشعر الشعبي الساخرة التي كانت لميعة ترتجلها في جميع المناسبات ! . لقد كان هذا الإرتجال الذي أحسست – على طفولتي – أن لميعة ، إن لم تجد له المناسبة اللازمـة، سعت هي إلى خلقها ، كان يمنحها تفوقاً مضافاً ، بالإضافة إلى ما كانت عمّاتها يتناقلنه من شعرها ، ومن أحاديثها في زياراتهنّ للأهل والأقارب ، مما يضفي هالة عليها حيثما ذهبت .

في طفولتي المبكرة ، كان خالي – رحمه الله – شديد الحفاوة بي .. يحبني حباً يكاد يميزني به حتى على أطفاله . قال أهلنا لأنني كنت أول ولد في العائلة .. وقالت أمي لأنني كنت أثير الإنتباه بطرافة تصرفاتي أيامها . المهم أن نتيجة اهتمام خالي بي ، وإيثاره إياي ، كنت أدفع ثمنهما كل يوم بسبب غيرة ابنة خالي مني ! .

حدثـتـني أمي – رحمها الله – ذات يوم ، قالت : " كنت أقتطع من الخرجية التي يبعثها أبوك ديناراً ديناراً .. جمعتها لأبني لكم ذلك البيت *..ما كنت أحتمل أن أراك لا تستطيع حتى أن ترفع يدك دفاعاً عن نفسك ، وأنت تُضرب كل يوم !". وكنا آنذاك قد انتـقلنا من بغداد إلى محلة ( السرّية ) في لواء العمارة .

الغريب أنني لا أكاد أتذكر صورة واضحة للميعة في السنوات الأخيرة من إقامتنا في العمارة .. بينما صورة أختها ( مليحة ) واضحة في ذاكرتي كل الوضوح . ربما لأن مليحة في مثل سني .. وكنا نلعب معاً ، ونختلط بأبناء وبنات محلتنا معاً . وعندما كنا أنا ومليحة في العاشرة ، كانت لميعة في الثالثة عشرة .. أي أنها بلغت السن التي اختلفت همومها عن همومنا ! . . وعند لميعة ، ربما تغيرت بأبكر من هذه السن . المهم أن تذكّري للميعة ينقطع شريطه وأنا ابن التاسعة .. ثم فجأة ينهض واضحاً ، شديد الوضوح ، وأنا طالب في الصف الثالث المتوسط ببغداد .. يومها كانت لميعة طالبة في كلية البنات . ~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

 * هو نفس البيت الذي كان حادث بيعه نسغاً لقصيدة { ألواح الدم } المشهورة التي افتتح بها مهرجان المربد عام 1986 .

 * * *

 

لميعة عباس عمارة

 ( 2 )

 *

 

انتقل أبي بنا إلى بغداد وأنا طالب في الصف الثاني المتوسط ، وبعد سنة من انتقالنا ، قدمت لميعة إلى بغداد طالبة في كلية البنات .

مرحلة جديدة من معرفتي بلميعة بدأت . كنت طالباً في الصف الثالث المتوسط ، وكانت لميعة – وهي طالبة في القسم الداخلي – تقضي معظم أماسي الخميس وأيام الجمع في بيتـنا .

هنا لابد لي أن أسجل الملاحظات التالية : أولاها أني – وقد دخلت سن المراهقة ، وافترقت عن لميعة عدة سنوات – ما عدت أملك تلك العفوية ، عفوية الطفولة في التعامل معها . لقد صار حضورها إلى بيتنا يعني عندي طقـساً خاصاً لابد أن أتهـيأ له .. مثلاً ، على فقرنا الذي تعرفه لميعة ، والذي تعيش هي مستوى مقارباً له ، ما كنت أريدها أن تراني رثّاً بأي شكل من الأشكال .. لذا كنت أتَهـيّأ بعد ظهر كل يوم خميس لكي أكون – وأنا أ ستقبل لميعة – في أحسن ما يمكن أن أبدو عليه ! .

لميعة ما كانت ترى في عبد الرزاق شيئاً جديداً .. ربما لانشغالها بعوالمها الجديدة في الكلية ، والشعر ، والأدب .. وظل عبد الرزاق أخاها الطفل الذي لا تتردد لحظة في أن تحتضنه احتضان الأم ، وتنام معه في فراش واحد ! .

ولكن عبد الرزاق تغير ! .

لم تتغير عواطفه تجاه لميعة . لقد بقيت الأخت التي يعود أمامها ذلك الطفل الذي ودّعها في العمارة .. ولكن نظرته للميعة تغيرت ! . لميعة الآن ليست تلك التي كانت تضعه في الأرجوحة النادرة التي جلبها أبوها من الخارج ، وتدفعه حدَّ أن يرى رأسه يكاد يرتطم بمرزاب البيت ، فيصرخ وهي تضحك ، وتدفعه أقوى . لميعة هذه شخصية جديدة .. جميلة .. مفرطة في الأناقة .. ثم ، وأكثر من ذلك كله ، أصبحت شخصية مشهورة..لقد بدأت مقالاتها وقصائدها في الصحف والمجلات تؤسس للميعة أخرى ! .

كانت لميعةعلى سجيتها .. ولم أكن كذلك ! . كانت تراني – كما تعودَت – أخاها الصغير ، وكنت .. على صغري ، وصغر إمكانياتي..أحاول أن أقف إزاءها رجلاً !

حادثة لا أنساها : ..

 في نهاية أ سبوع ما ، طلبت مني لميعة أن أ وصلها إلى القسم الداخلي ، بعد أن أمضت يومَي الخميس والجمعة في بيتنا . كنت آنذاك طالباً في الصف الرابع الثانوي في الإعدادية المركزية .. وكان بيتـنا في محلة الدوريين ببغداد .. ووجهتـنا باب المعظم . وركبنا باص المصلحة .. وجاء الجابي . مددت يدي إلى جيوبي متظاهراً بالدفع ، وأنا أعلم أني لا أملك فلساً واحداً ..منتظراً لميعة .. بهَـيلها وهيلمانها ، أن تبادر إلى الدفع ! ولكن لميعة بقيت ساكنة ، والجابي ينتظر ! .. وإذا بلميعة تلتـفت إلي قائلة : إدفع له يا عبد الرزاق ، فأنا لا أحمل معي نقوداً ! .

لا أدري كيف كان شكل وجهي وأنا أقول لها : أنا اعتمدت عليكِ .. فليس معي نقود ! .

أكثر من أربعة ركاب تطوعوا للدفع عنا ! .. ولكن لميعة رفضت بترفع كبير ، قائلة للجابي : سيصلك ثمن التذاكر بعد ساعة واحدة من وصولنا ..وسجلت ا سم الجابي ، ورقمه..وأوقفتـني بباب القسم الداخلي للطالبات ، ثم خرجت ومعها درهم قدمته لي مؤكدة عليّ بطريقة لا تقبل الإعتراض : إذهب الآن إلى المحطة ..إن لم تجد الجابي فسلم ثمن التذكرتين إلى المفتش ، وعرّ فه باسم الجابي ، ورقمه ، ليسلمه النقود .. وفعلتُ كل ما وجهتـني إليه ! .

من يومها وأنا أشعر إزاء لميعة بأنني لم أكبر بما فيه الكفاية ! .

هنا لابد لي أن أثـبّت علامة مهمة في شخصية لميعة : إنها قاطعة .. مرهفة في قطعها مثل حدّ الموسى !

ذلك الإرث الطفولي من التسلط .. ضخّمه ، وصقله في الوقت نفسه ، إحساسها بتفوقها ، وبانجذاب الآخر إليها . صار ذلك التمرد اعتداداً مفعماً بالأنوثة والكبرياء . لقد كانت تقول كلمتها مثل أميرة..وتعتبرها أمراً غير قابل للنقاش . لذا ، نادراّ ما رأيتها تتلجلج أو ترتبك .. على العكس .. كنت أحياناً أختلس النظر إلى الإلتماع المنتصر في عينيها وهي تحدّد نظرتها المتعالية إلى الآخر المتلجلج أمامها ! .

 عراقيـَّـة

 *

تُدخّنين ؟

 لا

أتشرَبين ؟

 لا

أتَرقُصين ؟

 لا

ما أنتِ ..جَمْعُ لا ؟؟! ..

أنا التي تَراني

كلُّ خمولِ الشَّرقِ في أرداني

فما الذي يَشُدُّ رجلَيكَ إلى مَكاني ؟

يا سيّدي الخَبير بالنّسوانِ

إنَّ عَطاءَ اليوم شيءٌ ثاني

حَلِّقْ ،

 فَلو طأطأتَ لا تَراني..!

 * * *

 ألقت لميعة هذه القصيدة في وجه واحد من كبار الشعراء العرب حاول أن يمسّ كبرياءها في أحد المرابد ، فلم يعد بعدها إلى المربد حتى مات ! .

 * * *

لن أنسى ما حييت يوم أقامت دار المعلمين العالية مهرجاناً شعرياً على هامش مهرجان المربد ، قدّمت فيه خرّيجيها من الشعراء ، وكان ذلك في قاعة ساطع الحصري التي غصّت يومها بالطلاب والطالبات .. وبعدد كبير من الأساتذة والضيوف ، بالإضافة إلى الشعراء والأدباء العرب.

دُعيَت لميعة إلى الإلقاء ، فصعدت إلى المنصّة ، وبدأت تقرأ بكل كبرياء قصيدتها { عراقية } .

 تُدخّنين ؟ .. لا

 أتشربين ؟ .. فردّد بعض الطلبة : لا !

 أترقصين ؟؟

ويبدو أن الطلاب ا ستمرأوا اللعبة ، فرددوا جميعاً :

 لا ! .

سكتت لميعة .. ثم نظرت إليهم نظرة طويلة ما رأيتها قط تنظرها لأحد .. وقالت : "يوم كنت أ قف على نفس هذه المنصّة ، لألقي قصائدي ..كنتم جميعاً لم تلدكم أمهاتكم بعد . " .. وغادرت القاعة تاركة الحضور وكأن على رؤوسهم الطير ! .

 * * *

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

سعدي يوسف

 *

خُرافَـة ..!

قلت له يوماً : أنت خرافة يا سعدي .. أنت كائن خرافي ! .. فحملق فيّ مندهشاً ، ثم أغرق في الضحك ! .

منذ ذلك اليوم ، صار أصدقاؤنا الأقربون في دار المعلمين العالية يقولون ، وهم ينظرون إليه بحب وبإعجاب: خرافة ! .

كل روائح البصرة فيه !.. سمرته ، ورهافته ، ودقة تقاطيعه . حياؤه ..وطيبته التي تكسر القلب ! وشاعريته !!

 

 يا سالم المرزوق خُذني في السّـَفينَةِ في السّـَفينَه

 خُذْ مُـقلَتي ثَمَـناً .. سأعملُ ما تَشاءْ

 إلا حكاياتِ النّساء

 * * *

لا أدري كيف ، بهذه البساطة ،ا ستطاعت الجهات المسؤولة ، أو غير المسؤولة ! ..إلغاء ا سم هذا المعهد الذي تخرج فيه السـياب ، ونازك الملائكة ، وسليمان العيسى، والبياتي ، ولميعة عباس عمارة ، وسعدي يوسف ، وشاذل طاقه ، وكاظم نعمة التميمي ، ويوسف الصائغ ، وعبدالرزاق عبدالواحد .. و .. و .. وشعراء آخرون قد أكون نسيتهم ، سوى الأدباء ، وسوى العلماء .

بمنتهى الإطمئنان،أُلغي اسم{ دار المعلمين العالية } التي خرّجت كل هؤلاء لتصبح ( كلية التربية ) .. هكذا انتهى تاريخ بأكمله بجرّة قلم ! .

 * * *

دخل سعدي إلى دار المعلمين العالية وأنا طالب في الصف الثاني منها.. وسرعان ما تعارفنا ، وتآلفنا ،لنصبح صديقين في منتهى الحميمية ! .

كان سعدي سريع الإستثارة ، سريع القلق .. وسريعاً إلى الخوف أحياناً .

ذات مساء ، ونحن طلبة في القسم الداخلي في دار المعلمين العالية ، كنا خارجين معاً من نادي الكلية إلى القسم الداخلي . تسلّقنا السدّة المرتفعة التي تفصل النادي عن الكلية ، ونظرنا معاً مندهشين إلى الأفق . كان القمر بأوسع ما رأيته في حياتي ، ينهض من بين سيقان النخيل أحمر قانياً وسط ظلمة المغرب ! . وقفنا معاً فوق السدة ذاهلين ننظر إليه . لا أدري ما الذي خطر ببالي حين مددت ذراعي مشيراً إليه ، وأنا أ قرأ بطريقة ( يوسف وهبية) الشطر الأول من بيت لإلياس أبي شبكة :

 عينُ مَن هذهِ التي لا تنامُ ؟!

وإذا بسعدي يلقي بنفسه راكضاً من أعلى السدة إلى النادي ، وبقي هناك يرتجف بشكل جعلني ألعن نفسي . عبثاً ذهبت كل محاولاتي لإقناع سعدي بالخروج من النادي إلى القسم الداخلي .. إلى أن خرجت مجموعة من الطلبة ، فخرج معهم ! .

 نادراً ما سمعت سعدي يتفوّه بكلمة نابية .. ولم أسمعه ، طيلة معرفتي به ، يرفع صوته . كان يتحدث دائماً بصوت خفيض دافيء ، حتى كأنه يتكلم همساً ! .

وسعدي طفل . كان يملك من الطفولة قدراً عجيباً . يضحك كالطفل حين تداعبه ، وكثيراً ما كنا نفعل ، متلذّذين بطريقته في الضحك !.. فنتجاوز حدود المزاح الكلامي إلى الدغدغة الجسدية .. وجسد سعدي كله قابل للدغدغة .. يختنق ضحكاً حتى بمجرد الإشارة إليه أنك ستدغدغه ! .. ومع ذلك فقد كان غالباً ما يلوح حزيناً !

وسعدي كثير الهواجس .. كثير القلق .. يتملكه أحياناً خوف همجي يفقد معه حتى القدرة على الكلام ! .

كنا ذات ظهيرة نتمشى ، أنا وهو وصديق آخر كان مسؤولاً عن التنظيم الشيوعي في دار المعلمين العالية . كان صديقنا هذا قد طلب منا سابقاً أن نقدم بخطنا ، وبتوقيعنا ، موافقة على ترشيحنا للحزب . . طلب ذلك منا بطريقة كنا معها سنصبح خونة لو رفضنا ! . في تلك الأثناء ، كانت قيادات الحزب الشيوعي تتساقط الواحدة تلوالأخرى ،وتدخل غياهب السجون ، إثر وابل اعترافات أعضائها . لا أنسى تلك اللحظة ما حييت . كان صاحبنا يلحف في الحصول على موافقتنا .. وكنا نوشك أن نصل إلى الباب المعظم . لم أنتبه إلا وسعدي جالس على حافة الرصيف ، مدلّياً رجليه في الشارع .. مخفياً رأ سه بين يديه المطويتين فوق ركبتيه ، وهو يبكي ! .

وقفت أنظر إليه وقلبي يكاد ينفطر . فتساءل صاحبنا بحيادية غريبة : "ما به ؟! " .التفتُّ إليه قائلاً وأنا أكاد أنفجر : ألا ترى أنه خائف ؟؟ .

كان صاحبنا يُسقط على سعدي نظرة مترفعة خاوية بينما سعدي يردد مختنقاً بدموعه :" آنه ويّاكم .. بس آنه أخاف أصير بالحزب ! " .

كم شعرت بإنسانية سعدي لحظتها ! .. وكم شعرت بصدقه ! *

 * * *

يوماً ما .. في أحد مهرجانات دار المعلمين العالية الشعرية .. وبينما كنت أ نا أعربد بقصيدتي المشهورة {الحرب}..كان صوت سعدي يتهدّج وهو يقرأ قصيدته {بغداد } بكل عذوبتها :

 لَهفَ العَباءةِ حينَ يرفعُ طَرفَها

 في الصَّيفِ صدرٌ لا يردُّ الظّامي!

 صَفْحاً حِسانَ الأعظميّةِ لستُ مَن

 يَرتادُ في الحَرَمِ المَنيعِ السّـامي

 لكنَّ مَن يأتي الرّياضَ يوَدُّ لو

 ناغى وداعَبَ ريشَ كلِّ حَمـامِ !

 

 * * *

كان ذلك عام 1951 ..

في محطّةٍ ما .. في عاصمةٍ ما.. التقيت بسعدي ذات يوم ! كان آنذاك مقيماً في الجزائر . قلت : يا سعدي . صرتُ أقرؤك فلا أراك .. ما عادت لشعرك معالمه يا سعدي .لقد صرتَ عالمياً بقدر ما كنتَ عراقياً ، وبصريّاً ، وخصيباويّاً* على وجه التحديد . لقد ابتعدتَ عن العراق طويلاً ، فصرتَ لا تراه ! .

في تلك السنة عاد سعدي إلى العراق ..وعاش فيه، واستعاد صفاء نفسه ، وصفاء رؤيته .. وعملنا معاً في المركز الفولكلوري العراقي ببغداد ..ثم نأى سعدي من جديد ..

أسائل نفسي أحياناً : هل فهمتُ أصدقائي حقاً ؟؟ إذا كنت كذلك ، فكيف جاز لي أن أتهم سعدي بالعاطفية، والطفولة .. وقد رأيته يصبح من الدّقّة بحيث يحسب بالملّمتر ، فرجة فمه وهو يبتسم ! .

آخر مرة رأيته فيها كانت في معرض الكتاب في القاهرة قُبيل العدوان الخمسيني بعامين . قلت : ألا ترجع للعراق يا سعدي ؟ .. لك ما لنا ، وعليك ما علينا .. وناضل إن شئت هناك ، داخل وطنك .

قال : عبد الرزاق .. أنت تفهمني . أنا ليس لديّ أيّ اعتراض سياسي . ما عدت أصلاً أفكر بالسياسة .إنما اعتراضي أ ساساً اعتراض إبداعي . أنا أخشى على حريتي الإبداعية ، ولهذا لا أعود ! .

أحياناً ..حين أنظر إلى ما يجري في أجوائنا الأدبية أجد لسعدي في نفسي الكثير من العذر !! . ~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

* الطريف أن صاحبنا هذا انقطع إلى العبادة منذ زمن طويل ، فلا تراه إلا في الجامع .. مطيلاً لحيته ، ممسكاً مسبحته ليل نهار . * نسبة إلى ( أبي الخصيب ) قرية سعدي يوسف .

 

 * * *

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

كاظم جواد

 *

 

 

كان صباحاً ربيعياً دافئاً .. وكنا ، أ نا والسياب ، جالسين في مقهى صيفي بباب المعظم . أحياناً يتراءى لي وأنا أحاول ا ستذكار الأحداث ، أن موقع المقهى هو نفس موقع التمثال الذي في مدخل جسر باب المعظم حالياً من جهة الرصافة . لقد تغيرت خارطة المكان تماماً ، فلم يكن الجسر قائماً آنذاك ولا الساحة التي أمامه . كان ذلك في أوائل الخمسينات ، ومدينه الطب لم يكن لها وجود ، بل كان هناك مستشفى ( المجيدية ) ، ومستشفى الأمراض العقلية ، وكلية الطب حيث هي الآن .. وأمامها جميعاً ، بمواجهة الساحة ، كانت محطة مصلحة نقل الركاب .

في إحدى صحف ذلك النهار كانت قصيدة جديدة للبياتي .. وكنا ، أنا وبدر نقرأها ، ونعلّق عليها بلؤم !. فجأة وقف على مائدتنا شاب نحيف أسمر ، أجعد الشعر ، أقرب إلى الوسامة رغم الحَوَل الواضح في إحدى عينيه. قدّمنا بدر إلى بعضنا : الشاعر كاظم جواد.. الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد . عندما شدَّ على يدي ، أدركت بأنني إزاء إنسان شديد الاحتدام ! .

حال جلوس كاظم معنا ، التفت إليّ مثنياً على أشعاري ، مبدياً إعجابه بها .. وبدوري شكرته ، وبادلته التلطّف كما كان يحصل آنذاك في أول لقاء بين شاعرين، إلا إذا كان أحدهما رشيد ياسين ! .

التفت كاظم إلى بدر متسائلاً ، وهو يتناول الجريدة التي بيننا : هل قرأت قصيدة عبدالوهاب ؟ . قال بدر : قرأتها .. فعقّب كاظم : كيف وجدتها ؟؟ . عاديّة ..أجاب بدر .. وأسرعت أنا بإضافة : بل ساذجة ، وسطحية جداً ! فتغيرت سحنة كاظم – رحمه الله – وقال ، وعلائم الإستياء تحتلّ وجهه احتلالاً :" إذن أنتما لم تفهما القصيدة ! . " رددت أنا بامتعاض ، وبنبرة فيها شيء من الإستخفاف : "وما الذي لا يُفهم فيها ؟ .. إنها قصيدة تافهة . "

إلى اليوم ..وأنا في هذه السنّ ..لم أتعلم أن أتروّى حيث يجب التروّي ! .

ما كان من كاظم إلا أن التفت إليّ محتجاً بصوت مرتفع : " البياتي أكبر من أن تفهمه ! ". التفتُّ إلى بدر وأنا أعاتبه بلهجة فيها شيء من التخابث : " كان عليك أن تخبرني بأن الأخ أحد تلامذة البياتي !" . وإذا بصاحبنا يستشيط غضباً وهو يصرخ ، وبلهجة عربية فصيحة : " أرجوك . أنا ما كنت ، ولن أكون تلميذاً لأحد .".. في تلك اللحظة انتبهت إلى أن جميع الوجوه التي حولنا في المقهى قد استدارت إلينا . قلت : " أرجوك أيها الأخ .. أنت جئت طارئاً على جلستنا ، فأرجو أن تلتزم بحدود اللياقة ."وإذا بكاظم ينفجر عليّ انفجاراً مريعاً ، وبالعربية الفصحى أيضاً ! .. إنني أكاد أحفظ حتى هذه اللحظة كل ما قاله ، وبالحرف الواحد . لقد التفت إليّ صارخاً بأعلى صوته :"أخي مَن أنت؟..ومن أين أتيت؟..وماحَسَبُك؟وما نَسَبُك ؟؟ ".. نظرتُ ببلاهة إليه ، ثم قلت له ، وبمنتهى اللامبالاة ،واللاتقدير للعواقب:" إ سمع . أيّاً كنتَ فرأيُك فيَّ لا يتجاوز كعب حذائي ! " .

كانت على المنضدة كأس زجاجية كبيرة فارغة . ما أتممتُ جملتي حتى اختطف كاظم الكأس ، ووقف بين دهشة الجالسين جميعاً ، وصاح – وقد نسي العربية الفصحى فجأة - : " شلَون ؟؟.. أخَّ ال … !! ، ثم رفع يده بالكأس .

كنا ، أنا وبدر، ذاهلين ننظر إليه ..كانت عيناه - لفرط هياجه – قد تباعدتا عن بعضهما بشكل موجع ..ثم قذف الكأس بكل قوّته !.

في طرفة عين كان الدم يغطي وجه السياب وثيابه جميعاً ! . قفزتُ إلى بدر الذي لم يكن قد وعى شيئاً . كان أول شيء فكرت فيه أن أحمله إلى المستشفى المجاورة..وإذا بكاظم يمسك بثيابي ويسحبني إليه .. لقد كان يريد أن يواصل الشجار ! . في تلك اللحظة ، كان أحد الجالسين قد أوقف سيارة أجرة ، وعاد راكضاً وهو يقول :"ساعدني على نقله إلى السيارة ".. بينما دفع كاظم مخلّصاً ثيابي من بين يديه . في المستشفى خِيطَ رأس بدر بستّ غرزات ، بعد أن بذلنا جهداً كبيراً لإ قـناع الطبيب بأن لا حاجة لتقرير الشرطة ، فالحادث تسبب عن عثرة سقط الجريح على أثرها وشُجّ رأ سه ! .

في اليوم التالي كنا جالسين في مقهى الرشيد ، ورويت للمجموعة ما حدث . بلند ضحك ضحكة لا تدري كيف تفسرها ! . اكرم الوتري نظر إليّ باهتمام حزين ثم قال :" معقوله ؟!.. طلع من بدر دم ؟؟!". فضحك الجميع لهذا التعريض بنحافة بدر رحمه الله !.

كان كاظم سريع الهياج .. عنيف ردود الفعل . أما في مجالس الشراب فهو غير مأمون العواقب .. ولكنه - بالمقابل – كان ودوداً ، بسيطاً ، طيباً ، بالغ الطيبة والبساطة .

روى مرة أحد الخبثاء من مجموعتنا ، أن كاظم وعبدالملك نوري كانا يشربان في حانة بشارع أبي نؤاس وقد أخذ الشرب منهما مأخذه .. وإذا بكاظم ينادي على النادل طالباً رأس خس ، ولم يكن الموسم موسم خس ! . وكرّر كاظم الطلب بأعلى صوته .. ثم لم يلبث أن نهض واقفاً فوق المنضدة التي يشربان عليها ، وراح يصرخ وهو يرتجف غضباً :" أيها الجاحدون . أديبان لامعان .. أنفقنا عمرنا نكتب لكم ، ونضحي من أجلكم .. حرمان ، وسجون ، ومعتقلات .. وتبخلون علينا برأس خس ؟؟ أي نوع من البشر أنتم ؟ ! ."

بعد جهد جهيد استطاع بعض الحاضرين أن يُفهم كاظم – رحمه الله – أنه لا يوجد خس في هذا الوقت من السنة ، رغم أن كاظم ظل يردد : " غلط . هذا غلط.. عندما قاصّ كبير ، وشاعر كبير ، يريدان خسّاً .. فيجب على الخس أن يوجد ! " .

كنت ذاهباً ذات صباح إلى سوق السّراي *.. وبينما كنت في شارع المتنبي ، إذا بي أ سمع هاتـفاً ورائي : عبد الرزاق . عبد الرزاق .. وقفت والتفتُّ ، وإذا بكاظم يسعى خلفي راكضاً . ما إن بلغني حتى احتضنني وراح يقبّلني وهو يقول بهياج شديد :" هنّيني..اليوم طلعت من التوقيف . موّتوني بَسط .. شبّعوني جلاليق وراجديات !.. لك داد عبد الرزاق .. جنت ميّت من القهر ، أشو كلكم انفصلتو ، وتوقَّفتو ، وانسجنتو .. بس آني بقيت . لَعَد شنو آني جاسوس ؟؟! . هسّه بَس يالله احترمت نفسي وارتاحيت ." .. ثم سالت دموعه وهو يحتضنني بكل عنفه ويقول :" هنّيني داد عبد الرزاق . آني مناضل مثلكم مو جاسوس !!." .

الله ..

 رحمك الله أيها الإنسان الصادق .. والشاعر الصادق ..يا رفيق الدرب الطويل .. والعذاب الطويل ! . ~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

 * سوق السراي : هو سوق المكتبات الرئيس في بغداد .

 

 * * *

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

كاظم نعمة التميمي

 ( 1 )

 *

غداً حين ..

وأبصرتُ طفلَكِ بين الصّغار

 سأروي ذراعَيَّ من ضَمِّهِ

أقبِّـلُه ُ ، فيقـولُ الفــؤاد

 يُـقـبّلُ فيهِ خيــالَ امِّهِ !

 * * * هذا مقطع نسيت بيته الأول ، من قصيدة من أجمل قصائد كاظم نعمة التميمي ، ألقاها أيام كان طالباً في دار المعلمين العالية ، في مهرجانها الشعري السنوي عام 1950 إذا لم تخُنّي الذاكرة .. ولهذه القصيدة قصة طريفة :

كنا ، أنا وكاظم ، صديقين لا نكاد نفترق ..حتى في القسم الداخلي كنا ننام متجاورين في ردهة واحدة طوال سنوات درا ستـنا .

يوماً ما .. ولم يكن قد مرَّ على قبول كاظم في الكلية ، وعلى تعارفنا ، سوى أ شهر معدودة .. قرّرنا أن نحب ! لقد توصلنا – بعد مناقشة مستفيضة – إلى أن الشعر ، في أي موضوع كُتب ، لا يمكن أن ينفذ إلى القلب إلا إذا كان صاحبه عاشقاً ! .. هكذا ..! . وخرجنا في المساء نفسه نبحث عن الحب ، بعد أن تناولنا عشاءنا في مطعم القسم الداخلي ! .

كنا في حدود الشهر الرابع من سنة 1949 .. وكان الطقس ربيعياً مفعماً بشذا القداح .وكان من عادة الطلبة في تلك الأيام . . وفي طقس كذلك الطقس ..أن يتجولوا في شوارع الوزيرية ، قريباً من أقسامهم الداخلية على هيأة مجاميع صغيرة بعد كل عشاء .. مجاميع من الطالبات .. ومجاميع من الطلاب ، تغصّ بها دروب الوزيرية بأخوّة نادرة ! .

كانت مثل خيط الضوء ! .. مرهفة بالغة الرهافة .. بيضاء كاللبن الطازج ! .. ينسدل شعرها على كتفيها كأمواج القمر .. وبنعومة كاظم التميمي !.وكانت بالغة الطهر ، كأنها خرجت لتوّها من أيقونة من أيقونات كنائس القرن الثامن عشر ! .

وقفنا ذاهلين ننظر إليها ، هي وصديقتها . أما كاظم فقد ندَّت من بين شفتيه ، وهوكالحالم ،كلمتان: أنا أحببت !

من يومها، صار من دأبنا بعد كل عشاء أن نبحث عنهما ، هي وصديقتها التي لم تكن تخرج مع غيرها..حتى إذا ما وجدناهما ، وقف كاظم حالماً يرنو إليها من بعيد ! .

واشتدّ الأمر على صديقي .. وتفاقم ذهوله يوماً بعد يوم . وبينما كنا نبحث عنهما معاً بعد العشاء ،كان كاظم يخرج مبكراً قبل الفطور ، ليبحث عنها في ساحة الكلية ! .

ذات يوم .. وبعد نقاش طويل .. اقتنع كاظم أنه لابد أن يكلمها .. أن يقول لها شيئاً ، أي شيء .. ولو لمجرد التعارف .

كانت هي وصديقتها قد شعرتا - بالتأكيد - بمتابعتنا لهما ، وبوقوف كاظم الذاهل ، ونظراته الشاردة يومياً.. في ذلك المساء ، صرفت وقتاً طويلاً شحنت به كاظم بطاقة هائلة لكي يتغلب على خجله وتردده . ولم يخب به الظن ! حالما رأيناهما ، تركني متجهاً إليها بخطٍ مستقيم وبخطىً عجيبة الإستقرار ! .

من مكاني ، متكئاً على شجرة عبر الشارع ، رأيت كاظم يستوقف الفتاتين .. ثم ، بعد لحظات ، ينفرد بحمامته على بعد خطوات من صديقتها . وبعد أقلّ من دقيقة ، رأيت حمامته تعود بادية الإضطراب إلى صديقتها ثم تتجهان معاً إلى القسم الداخلي ..بينما عاد كاظم وهو يرتجف ، ووجهه بلون البنفسج . لم يمهلني كي أ سأله .. بل بادرني هو بما يشبه الهذيان :"خلص . انتهى كل شيء .. اعتذرَتْ .. وانتهى كل شيء !" .

منذ ذلك اليوم ، لم نرَ الفتاة تخرج للتمشي بعد العشاء .. بل حتى في النهار ، صرنا نادراً ما نصادفها في ساحة الكلية .. بينما راح كاظم يتّـقد شعراً وحباً يوماً بعد يوم ! .

وانتهت السنة الدرا سية . وعاد كاظم إلى العمارة .. وعادت مؤرقته إلى نينوى .. ولم تعد في السنة التالية . قالت صديقتها : إيفلين تزوجت ! .

سنة كاملة ، وكاظم يكتب لها الشعر بلوعة قاتلة .. ومن قصائده فيها قصيدته التي كان أحد مقاطعها مدخل هذا الحديث .

رحم الله كاظم .. لقد نكبته المرأة طوال حياته . ثلاث حبيبات فقد ، وزوجة مات بين يديها ! .. أما عنفوان شعره ، فكان كله في حبيبته الأولى .

 * * *

 

كاظم نعمة التميمي

 ( 2 )

 *

كنت طالباً في الصف الثاني من دار المعلمين العالية وقد بدأت شهرتي كشاعر تتسع بعد أن فصلت من الكلية سنة 1948 ، بسبب القصائد التي ألقيتها في تظاهرات الوثبة ضد معاهدة بورتسموث . كان ثمة شعور بالزهو يداخلني وأنا ألاحظ اهتمام الطلاب والطالبات بي ، وتعليقاتهم عليّ ، متظاهراً بأنني لا أدري !.كان ذلك عام 1949 ، حين اقتحم عليّ دائرة غروري الصغير ، شابّ من مدينتي ( العمارة ) .. ومن محلتي فيها ، ( السّريّة ) .. مقدّماً نفسه باسم " كاظم نعمة التميمي " .. شاعراً !. في أيامنا تلك ، قلَّ أن قُبِل في الجامعة طالب بهذا الجرم الصغير ، وهذه السن الصغيرة ! كان ناعماً بكل تفاصيله.. وسيماً..تستكثر على الجنوب بياض بشرته ولون عينيه! وكان – رغم نعومته – بعنفوان رجل حقيقي ! .

بعد عشر دقائق من لقائنا الأول ، بدأ يقرأ لي من شعره ، وكأنه أراد أن يقدم أوراق اعتماده لهذا الشاعر المتغطرس!.وقبلتُها..وأحببته..ومن يومها صار كاظم نعمة التميمي صديقي الذي لم أفترق عنه لحظة حتى انتهت أيام الدرا سة .

كان كاظم قارئاً دؤوباً ، ومثقفاً حقيقياً تتمثل ثقافته سلوكاً يومياً عميق الوعي ، صائب التقدير..إلا ما يتعلق بعواطفه !. وكانت كتبه عزيزة عليه حدَّ أن صفحة من أحدها لو انطوت ، أقام الدنيا..وعاتب .. وحاسب.. حتى لا يدع مجالاً للإعتذار !.

يوماً ما، وكنت قد بدأت نوبتي في الحب!،وكانت حبيبتي طالبة في صفه هو .. تلهو بي .. وتعذبني ، وتسلّي صديقاتها بعذابي .. إذا بكاظم – بعد تناول فطوره دون أن ينبس ببنت شفة ، وكنا على مائدة واحدة – إذا به يقف أمامي بعد الإفطار وجهاً لوجه ، أمام مطعم الكلية ، قائلاً بطريقة لا تقبل النقاش : " إسمع عبد الرزاق . ما عدت أحتمل وضعك هذا .. فاختر واحداً منا:أنا أو ناهدة .الآن .. تتركني أو تتركها ."

لا أنسى ذلك اليوم ما حييت . لم يعطني كاظم فرصة حتى للتفكير . نظرت إليه ملياً ثم قلت :" نحن قررنا معاً أن نحب..وأحببنا . ويبدو لي أننا كلينا فشلنا . يمكن أن نحاول مرة أخرى !" .

صحيح أنني لم أنقطع عن حب ناهدة ، ولكن القرار في وقتها كان قاتلاً ! .

وأحبَّ كاظم مرة ثانية ، وفشل .. ومرة ثالثة .. وفشل . كان وسيماً ، أجمل بكثير من حبيبتيه الأخريين.. دمثاً ، صادقاً ، ومخلصاً شديد الإستقامة..ومع ذلك فشل في حبه ثلاث مرات ! .

في أصعب الظروف .. أيام كنا نبحث عن اللقمة فلا نجدها .. تزوج كاظم . تزوج وهو مفصول من وظيفته ، لا يجد ما يعيل به نفسه هو . حتى نيشان زواجه أخذناه من أحد معارفنا الصاغة بالتقسيط .

لقد قتلته المرأة .. هذا الذي كان ذروة في الإخلاص لها ، والإستقامة معها !.

لم أصادف في حياتي إنساناً منظماً مثل كاظم التميمي ، إلا الصكار ..ذاك يتفوق على كاظم بمراحل في دقته وترتيبه ! . ورغم أن كاظم كان أصغر مني سناً..فقد كان يعنى بي وكأنه أخي الكبير..حتى في ترتيب حاجياتي، فأنا لم أعرف يوماً أن أنظم خزانة ملابسي ، ولا أن أرتب كتبي ، ولا حفظت جدولاً للدروس . كنت آخذ معظم دفاتري ، وما أ ستطيع حمله من كتبي معي كل يوم..وكل يوم كان كاظم ينظم وضـع الكتب والملابس في خزانتي من جديد ، لكي يجدها مبعثرة في اليوم الذي يليه !.أذكر أن الأمر بلغ حدّ أن نقل لي جدول دروسي من أحد زملائي في الصف ، وكتبه بخط جميل..وزخرفه..ثم ألصقه لي بباب خزانتي من الداخل .. وبعد أيام لم يجد الجدول !.

كنا – كاظم وأنا – نتبارى في القراءة . كان لنا صديق ثالث مشترك ا سمه نهاد .. كان مشروعاً رائعاً لكاتب قصة قصيرة ، لا أدري كيف أخنت عليه السنين . كان نهاد معلماً .. وقد تزوج صغيراً . يومها فكرنا ، أنا وكاظم ، ماذا نقدم له هدية في زواجه؟.أذكر لليوم إ شراقة وجه نهاد حين دخلنا عليه نحمل صينية مغطاة بمنديل .. حين رفعـه ، وجد فيها ثلاثة كتب ، فوقها جميعاً كتاب (أرض البشر ) للروائي الفرنسي ( أنطوان دي سانت أكزوبري ) ..الرواية التي عشقناها نحن الخمسة ، وكانت من ترجمة مصطفى كامل فودة .

حين تزوج كاظم ، أهديته هدية بمنتهى التفاهة .. سدّدت عنه بعض ثمن نيشانه ! .

بعد وفاة كاظم .. ولكي يعيش أولاده .. مكتبته التي بذل عمره ليملأها بكل ما هو خيّر ونبيل ، صارت بضاعة ساوم عليها المرتزقة والمنتفعون .. ونظرت إليها وزارة الثقافة والإعلام العراقية نظرة المتعفف ، وكأن صاحبها لم يعتصر دمه حتى آخر قطرة فيه .. وعقله حتى آخر إضاءة فيه ، من أجل هذا الوطن ! . لقد ظل أولاده يروحون ويجيئون طويلاً، باحثين عمّن يشتري كتب أبيهم بثمن يوفر لهم لقمة الخبز .. فباعوا كتبها فرادى ! .

 

 

 * * *

 

 

 

 

 

 

 

 

 الصكَار

 ( 1 )

 *

 لو غيمةٌ شفّـافةٌ مُبَعثَره لَملَمتَها غَبَّ سماءٍ ممُطِـرَه

 

 لَوَّنتَها بريشَـةٍ مُعَطَّـَره أعمَلتَ فرجالاً بها ومسطَرَه

 وضَعتَ شارباً لها ومِنظَرَه !

 نَسََّقـتَها أنيقةً مُفَهرَسَـه بَذَلتَ فيها كلَّ فنِّ الهند َسَـه

 * * *

 لو نسمةٌ مثل رفيفِ العافيه توقظُ ما تلمسُ وهيَ غافيَه

 أرهَفُ من أرهَفِ جِرْسِ قافيَه

 مَلَكتَها..فَصَّـلتَ منها قامَه بالِغَةَ الضَّعفِ والاستقامَه

 تَوَّجْتَ منها مَوضعَ السّلامه بمُستَطيلٍ فوقـَهُ ابتسـامَه

 وثـَمَّ خَطٌّ فَوقُ كالسّـياجِ تَعلوهُ سَوَرتانِ من زُجاجِ

 * * *

لو التِفـاتَةٌ إلى المَجهول غارقةٌ في الصّمتِ والذّهولِ وَجَدتَها تَرسبُ ثمَّ تَطفو تَهيمُ،تَستَقرُّ، تصحو، تَغفو تَندَسُّ في أحلامِها الوَثيرَه تَصنعُ مُعجزاتِها الصَّـغيره

مذهولةَ الزَّمـانِ والمكانِ مُبحِرةً في الخـَطِّ والألوا نِ

 * * *

لو اعتذارٌ من صَميمِ القلبِ تَشعرُ إذ تَسمعُهُ بالذَّنبِ

جَسَّدتَهُ ، جعَلتَـهُ إنسانا وَهَبتـَهُ من حُلُمٍ كيـانا

 * * * لو حـالةٌ تائهةٌ غريبَـه عالِقَةٌ في يـَدِها حَقيبَـه

 لو كلّ ذا جَمَّعتَهُ لَصارا

 الشاعرَ المُصَمِّمَ الصَّكَارا ..! *

 * * *

حالما وضعت اسمه أمامي ، تشعبت بي السُبُل ، وأحسَست أنني دخلتُ في شليلة لا رأ س لها ! .

هذا واحد من الذين لا يسهل عليّ الأمساك بهم .. أولاً لعمق علاقتي به حتى أدق التفاصيل ..في الشعر، وفي الحياة . وثانياً لامتداد الزمن بهذه العلاقة لأكثر من عشر سنوات لم نفترق خلالها إلا حين يذهب كل منا إلى بيته ليلاً .. وحتى الليالي كثيراً ما كنا نسهرها معاً ! . وثالثاً لأن الصكار متعدد المواهب حتى لا تدري من أين تدخل إليه .. وهو في جميع مواهبه مرهف رهافة شكله ، ورهافة محتواه ، ورهافة كل ما يتعلق به ! .

إن الصكار ، بكل تفاصيله ، غابة من أجنحة الفراش !

متى ما رأيت محمد سعيد الصكار ، وحيثما رأيته ، تحسّ وكأنه قد خرج توّاً ، هو وبدلته ،من أقرب مكوى ! لعنة كانت ليوسف الصائغ أن يدخل إلى مكتب الصكار * فيوسف ذروة الفوضى .. والصكار ذروة النظام..وكانت دقة الصكار تستفزه بشكل حقيقي .

يوماً دخلنا أنا ويوسف إلى المكتب ، وكان الصكار مشغولاً في المرسم . حاول يوسف أن يحوّل إحدى منفضات السكائر من مكانها ، فلاحظ أن المنضدة التي كانت المنفضة عليها قد فقدت توازنها .. فأعادها إلى مكانها. مدّ يده ليرفع مزهرية صغيرة من أحد الرفوف ، ويضعها في أي مكان آخر ! ..بقي واقفاً يتلفت إلى جميع الجهات والمزهرية في يده ..فأعادها إلى موضعها ، ثم راح غاضباً يعبث بالقطع البلاستيكية الملونة المنتشرة على المناضد الصغيرة لتوضع تحت كؤوس الماء ، أو استكانات الشاي .. راح يبدلها الواحدة بالأخرى ، أو يرمي بها على المناضد كيفما اتفق ، وهو يلعن الساعة التي دخل فيها إلى مكتب الصكار .. ثم خرج غاضباً ! .

منتهى الرهافة في توزيع الكتل .. منتهى الذوق في توزيع الألوان .. مضافة إليها عناية لا أدري من أين يجد الصكار وقتاً لها ! .

دخلت عليه المكتب مبكراً ذات يوم ، فوجدته يحمل إناء فيه حليب ، وبيده قطعة إ سفنج صغيرة يغمسها فيه ، ويمسح أوراق نباتات الظل الكثيرة في مكتبه ورقة ورقة ،ظاهرها وباطنها !. قلت له : ماذا تفعل يا أبا ريّا ؟ قال : الحليب يغذي هذه النباتات ، ويجعل خضرتها زاهية لماعة .. ألا ترى ؟! . حاولت أن آخذ بنصيحته في نبتة ظل واحدة كانت في صالة بيتي ، فزهقت من المحاولة الأولى !

وللصكار علاقة حميمة بمقتنياته..أ قلامه ، أوراقه ، محتويات مكتبه جميعاً .. ولكل منها عنده تأريخ وقصة !.. حتى فرشاة الأسنان التي يستعملها ، لا يهون عليه إلقاؤها في القمامة بعد تلفها !.. كان يقول : " أتعلم كم صباحاً أول شيء فعلته فيه أن أسرعت إلى الحمام ، ولا شيء في ذهني سوى فرشاة الأسنان هذه ؟! .. وأية راحة كانت تشيع في نفسي بعد استعمالها ؟؟! .. وكذا كان الأمر مع المشط ، ومع ماكنة الحلاقة .. فما بالك بالبشر ؟!.

حين دخلت شقته في باريس لأول مرة ، وجدت في صالة الإستقبال زاوية عُلّقت فيها مسائل غريبة :

( طبق من خوص النخيل .. زنبيل ملوّن من الخوص أيضاً .. إزار من الصوف يدَويّ الحياكة .. ومجموعة أخرى من الأمتعة العراقية الصميمة . ) . حين وقفت أتأملها ، قال بوجع : .. البصرة ! .

أثار دهشتي أن الصكار يحتفظ حتى بقصاصات الورق التي كنت أكتبها له حين أجلس للخفارة في مكتب { ناب } ، ويخرج هو لمتابعة أمر من أموره . لقد كان حريصاً على كل الأنساغ التي تربطه لا بالعراق وحده ، بل بالبصرة .. وبمحلته فيها بالذات ! . ~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

 * أرجوزة نظمها ( كاتب الذكريات ) في وصف محمد سعيد الصكار .

 * كان للصكار مكتب مشهور للخط والتصميم اسمه { مكتب ناب } ، وكان يقع في الباب الشرقي مقابل وزارة الثقافة والإعلام القديمة .. وكان مكتبه ملتقى المبدعين في وقته .

* كان مكتب ( ناب ) ملجأ لي .. كثير من قصائدي كتبتها فيه .. بينها أجزاء كثيرة من ملحمة { ا لصوت } .. وكنت حين يخرج الصكار ، أجيب على مكالماته التلفونية ، وأسجل أسماء مراجعيه ووصاياهم على قصاصات ورق أتركها له أحياناً وأخرج قبل أن يعود ، وكنت أسجل له كل هذه الملاحظات شعراً .. وقد رأيتها عند الصكار في باريس جميعاً ، يحتفظ بها في ملف خاص ! .

 

 * * *

 

 

 

الصكَار

 ( 2 )

 *

قصيدةٌ ورسالة

 * * *

 إلى عبد الرزاق

 

سيَضحكُ إلا أنت بعضٌ ، ويَهزأ ُ

 

 لأنـّيَ من هَـمٍّ إليـكَ سألجـأ ُ

 ويَشمتُ بعضٌ ، لا المروءةُ عندَهُ

 تَـُردُّ ، ولا معنى المروءةِ يَدرأ ُ

ويَشفَعُ لي أنْ بينَ بُردَيكَ خافـقٌ

 على مِثلِهِ أطـوي جناحي وأهدأ ُ

وما عجَبٌ أن يستَعيدَ صَـفاءَهُ

 ودادٌ ، وبعضُ الودِّ ما ليس يَصدأ ُ

فكيف بنا نحنُ الذين تَمرَّسَـتْ

 بنـا مِحَـنٌ كُنّـا بـِها نتَوَكَّـأ ُ

ونعبُرُها قلبـاً لِقلبٍ ، وجُـلُّهُم

 إذا امتُحِنوا فيها انثَـنَـوا وتَلَكَّأوا

وَنخلُقُ دُنيـانا حنينـاً ولَهفَـةً

 على حين ينسى البعضُ أيّانَ يَبدأ ُ

وتَشهَـدُ أورا قٌ لنـا ومَجالسٌ

 وشِعرٌ ، وظُرفٌ ، وانطلاقٌ، ومَبدأ ُ

حَمَلتُ لكَ الودَّ الذي هَـدَّ كاهلي

 وأوسَعَـني ظُلمـاً ، وَما أتـَبَـرَّ أ ُ

ولكنّـهُ الغيظُ الذي يَحملُ الفتى

 على غيرِ ما يَهوى ، وما يَتَـنَبَّـأ ُ

فإن كان في ما قلتُ بعضُ نكايةٍ

 فَصَمتي على ما قلتُ أنكى،وأرزأ ُ

فَعُذراً إذا كان اعتـذارٌ يَرُدُّنـي

 إليكَ ، ويَحمي زَورقي منكَ مَرفَـأ ُ

 

سَنَبقى معاً ، أ قسَمتُ أن لا شَقاوَةٌ

 سَـتَركبُها يوماً ، لَـدَيَّ سَـتُكْفَـأ ُ

وَنبقى معاً : شعراً ، ولَهواً ، ورِفقَةً

 تَشـعُّ ، فلا تَـذوي ، ولا تَتَجَـزَّأ ُ

ونَبقى معاً ، بعضٌ لبعضٍ صَحيفةٌ

 يُراجـعُ فيها نفسَـهُ حيـنَ يَقـرأ ُ!

 

 الصكار

 5 / 7 / 1973

* * * * * * * * * *

 أما الرسالة ، فمؤرخة بتاريخ 7 / 2 / 1978، وقد أرسلها الصكار من باريس حيث يقيم :

( أمانة للتاريخ ، ووفاء لأكثر من ربع قنينة كونياك احتسيتها .. وسأستمر ، واستدراكاً للحقيقة ، وإنصافاً لبيان جليل ، أسميناه يوماً { البيان المستطيل } ، أكتب إليك وقد انتصف الليل ( قبل ساعة !! ) ، راجياً أن تضيف هذه الأبيات التي من أصل البيان ، وهي عندي بخط يدك الكريمة التي لم أصافحها منذ أ شهر !! .. وإنني لأعجب من غفلتنا ( الثورية ) التي أنستـنا إياها! .

أضف بعد : أراكبٌ طيارةً حزينه

 أقاعدٌ يوماً بجوفِ بيرِ

 محَملقٌ في جوفِهِ المنيرِ !

( الأفضل محملقاً )! .

ثم بعد : عليه أن يقول شيئاً غامضا ..

 فأنت إن أدركتَهُ يا قاري

 فذاكَ طائرٌ بلا منقـارِ

 ثم تاريخ البيان :

 ( في القطار النازل إلى البصرة 26 / 4 م 1969 )

أدري أن هذه الوريقة ( أهي وريقة ؟ ) ، لن تصلك إلا بعد العطلة الربيعية ، وبذلك لن تؤثر على قصيدتك (المربدية ) الجديدة ! .

 

ومَن لم يوَنِّسْ مَرتَهُ وجهالَهُ

 يوَرَّمْ ، ومَن لا يكتم السّرَّ يندَمِ !

ولعلّك ، بعد أن قرأته ، ستحذو حذو صديقي سلمان الجبوري ، فتذكره بعد أن نسيت كل ما نشرت !!، فهو يهمّك كثيراً ، كما يهم كثيرين غيرك منهم أنا وسلمان !

 يقول الصكار – وقد انتصفت القنينة الكورفوازيه ، كما انتصف الليل قبل ( أكثر ! ) من ساعة !: إنما يهمني من أمرك أمرُك ! فكيف تجري بك الحياة ؟! . واللهِ إنك لصديقٌ بَدّْ * ، ورفيقٌ مرتَدّْ . أما تسأل عن أخيك أين انزوى ، وعلى أيّ بساطٍ ا ستوى ، ( ولو شئت السجع لقلت : وبأيّ نارٍ اكتوى ، وأيَّ نيّةٍ انتوى ..الخ ) .. وأنت المشغول باللجان ، تحضرها بالمجّان ( تذكرتُ أوّل شطر من قصيدة : كتبتُ فوق شجر الخابور ! ) .

 عزيزي .. الشوق يطول .. و"البطل" يزول .. وأنا على مشارف الفجر ! . نم هانئاً .. عزيزي عبد الرزاق ) .

 الصكار

 7 / 2 / 1978

وفي سطر عمودي على جانب الرسالة الأيمن ، ينـزل من أعلى الرسالة حتى أ سفلها ، كتب الصكار :

" لا أذكر يوماً أني كتبت على وجهَي الورقة .. ولكن للنشوة أحكام !! " .

 

 * هذه القصيدة مؤرخة في 5 / 7 / 1973 .. وهي رسالة كتبها الصكار شعراً ، معتذراً فيها عن خطأ بحق صديقه كاتب الذكريات ، وقع فيه .

 ** ( بَدّ ) كلمة فارسية معناها ( رديء ) .. ومنها : بَدْ كَونيه .. وبَد ذات ، التي نلفظها ( بذّات ) .. { من أصل الرسالة } .

 

 * * *

 

 

 

 

 

 

الصكَار

 ( 3 )

 *

لم أرَ ، ولم أ سمع بإنسان ، له هوَس بالألوان ، مثل هوس الصكار بها ! .

مرة أقام معرضاً سماه ( فنطازيا اللون ) .. كانت جميع لوحاته ا ستعراضات لونية يبقى الإنسان مذهولاً بين جمالياتها . دخلت المعرض عند افتتاحه .. ثم عدت مساء لأجد الصكار وقد احمرّت عيناه ، وشحب وجهه حتى صار كوجوه الموتى .. وكان حوله جماعة من أصدقائنا الأدباء والفنانين يحاولون التخفيف عنه . أفزعني مرآه هذا . كان مجتمعاً على نفسه ، محدودباً فوق مقعد في زاوية المعرض .. ساهماً عن كل شيء . سألته ، فلم يتكلم .أحد أصدقائنا قال:" زار المعرض قبل قليل الرفيق فلان ( وكان واحداً من أعضاء المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي آنذاك ) .. وبعد أن تجوّل في المعرض ، والصكار يرافقه وهو يكاد يطير به فرحاً .. التفت صاحبنا إلى الصكار وهو يغادر ، وقال له بلهجة مثقلة بالتهكم :"أيها الرفيق ..أتمنى أن يشتري أحد غير شركات النفط أعمالك هذي ! ".

جُنّ جنوني لحظتها .. وسألت إذا كان الصكار قد ردّ عليه بشيء ، فقالوا : جميعنا بقينا ذاهلين..أما أبو ريّا فمن لحظتها حتى الآن وهو شارد كما تراه.. كان فقط يردد بين آونة وأخرى:" ماذا قصد ؟..أعميل أنا لشركات النفط ؟ .. أم أن فني في خدمتها ؟؟ ".

أجبرت الصكار على مغادرة المعرض ، والمضي معي إلى جريدة ( طريق الشعب ) جريدة الحزب الشيوعي آنذاك ، وهناك سألنا عن الرفيق فلان عضوالمكتب السياسي فقادونا إليه . حين دخلنا ، نهض مستقبلاً .. فتسمّرت في مكاني مثبـّتاً عينيّ في عينيه بنظرة حادة طويلة ، بحيث تقلصت الابتسامة العريضة التي كانت على وجهه تدريجياً حتى ماتت .. وقال وهو يردّ يده التي كان قد مدها لمصافحتنا : " خير أ ستاذ عبد الرزاق .. هل هناك شيْ ؟." قلت بصوت أحسست كأنه قد خرج من جوف بئر : "أنت قلت للصكار هكذا ؟". فاصطنع ابتسامة شاحبة حاول أن يداري بها صدمة الصراحة المفاجئة التي واجهته بها .. ثم قال :"أولاً ، تفضلوا ا ستريحوا ." قلت :" لم نأتِ هنا لنستريح .. إنما جئنا لنفهم ماذا عنيت بقولك هذا ؟" قال :" ما عنيت أي شيء . أنا أحترم أبا ريّا ، وأقدّره ، كما يعلم ، وتعلم . لقد كانت مجرد دعابة ، حصل فيها سبق لسان ! ."

 أثارني هذا الجواب أكثر من القول نفسه . قلت وأنا في أقصى حالات الإنفعال : "سبق لسان ؟؟ .. وأمام هذا الجمع من الأدباء والفنانين؟!..أنت ؟؟.. عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي ، الذي لو قُدِّر له أن يتسلم السلطة ، لكان قول منك كفيلاً بإعلان حرب .. وتقول لي : سبق لسان ؟! .. مع الأسف !! ."

وعبثاً حاول أن يعتذر من الصكار الذي لم ينبس ببنت شفة ، بل أمسك بيدي وسحبني خارج الغرفة وانصرفنا .

 * * *

على كل ما يوحي به الصكار من صلابة ومنعة ، كان يُستَلب استلاباً تاماً أمام بعض المفاجآت. إنه ، رغم كل هندسته المحكمة ، وتـقـنيناته الصارمة لكل شيء يحيط به – فنياً وحياتياً – يفقد كل انضباطاته ، ويصبح طفلاً شديد المشاكسة ، شديد الفوضى في كثير من الأحيان!.. خاصة في بعض تجاربه الإبداعية ! .

أودعته ذات يوم ديواني { أوراق على رصيف الذاكرة } * ليصممه ، ويخط عناوين قصائده . وطالت مدة مكوث الديوان لديه ، والمطبعة تنتظر .. وفي صباح يوم جمعة رائق ، كنت معه في بيته في عرصات الهندية. أمسك أبو ريّا بيدي ، وقادني إلى مرسمه قائلاً :" تعال انظر".وفوجئتُ بأكثر من خمسة تصاميم لمجموعتي الشعرية جميعها جميلة .. قال :" أرأيت ؟.. فأنا لم أهمل الكتاب ، لكنني لست مقتنعاً بكل هذا الذي فعلته!". قلت: "والنتيجة ؟ قال :" النتيجة أن نشرب الآن في الحديقة ، زجاجتين من الجعة المثـلّجة .. ونفكر !."

وجلسنا في الحديقة .. ونقل الصكار مجموعة من أوراقه عجيبة الألوان والتكوينات – وكانت هذه الأوراق أهم ما يجلبه الصكار معه كلما عاد من سفر إلى الخارج- وبين الضحك والنكات ، راح يشخبط ويرمي الأوراق حوله ثم فجأة ، التفت إلى مجلة أجنبية كانت مفتوحة إلى جانبه على الأرض ، وقد ظهرت فيها صورة فتاة تسبح . رفع المجلة ، ونظر إليها طويلاً ، ثم هبَّ واقفاً وهو يقول : "لكَيتها والعباس !."وهرع إلى مرسمه ، ثم عاد ومعه مقص مرهف ، وأمسك بالصورة ، وراح يقص منها بصورة عشوائية حروف كلمة ( أوراق ) : ألف ، واو ، راء ، ألف ، قاف .. ثم انتقى ورقة من أوراقه الملونة ، وفرشها على المنضدة التي أمامه ، وألقى عليها الحروف .. ثم راح يحدق إليها ! . بعد لحظات نهض إلى مرسمه ، وعاد وبيده قصبة خط ومحبرة..وأكمل العنوان : على رصيف الذاكرة!

حتى اليوم ، لم أ شاهد غلاف كتاب بتلك الجمالية العجيبة ! . أذكر أن الفنان رمزي – صاحب مطبعة رمزي الشهيرة آنذاك – على ما بيننا من صداقة حميمة ، وعلى كل ما يعرفه من رقة حالنا آنذاك ، اعترض على التفاصيل اللونية في حروف كلمة ( أوراق) التي اقتطعها الصكار من المجلة الأجنبية . قال رمزي :" هذه الحروف تحتاج إلى فرز ألوان . إذا وافقتما على تنفيذها بدون هذه التفاصيل ، تكون كلفة الغلاف خمسة عشر ديناراً .. أما إذا أبيتما إلا أن أنفذها كما هي ، فالكلفة تصبح خمسة وثمانين ديناراً ! . نظرت إلى الصكار فوجدت وجهه مفعماً بالمرارة . قلت لرمزي : " نفّذ الغلاف كما هو ، وسأدفع لك الخمسة والثمانين ديناراً !" .

إلى الآن لا أنسى كيف وثب الصكار ووجهه يتهلل فرحاً وهو يقول :" هيا بنا نحتفل . عندي زجاجة كورفوازيه نذبحها بهذه المناسبة !" .

وكان الغلاف كما أراده أبو ريّا ، وكما توقعه ، واحداً من أجمل الأغلفة التي تقع عليها العين ! .

الغريب أن الصكار ، حتى الآن، يتذكر كل حرف من حروف كلمة ( أوراق ) من أين اقتطعه من الصورة !! ~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

 * صدرت هذه المجموعة عام 1970 ، وحاز تصميمها على جائزة أحسن تصميم كتاب في ذلك العام

 

 * * *

 

 

الصكَار

 ( 4 )

 *

البيان الشعري والبيان المستطيل

 * * *

لأن الإشارة إلى { البيان المستطيل } وردت في رسالة الصكار في الحلقة قبل الأخيرة من الذكريات..ولأن للبيان المستطيل قصة هي من أمتع قصص حياتنا الأدبية في العقود الأخيرة .. وتوثيقاً لهذا البيان وما دار حوله ، وبسببه من أحداث .. سأكرس هذه الحلقة من ذكرياتي لاستعادة كل الظروف التي دفعت إليه ، وأحاطت بكتابته ، ونشأت عنه .. محاولاً ، وبموضوعية مخلصة ، أن أتجنب الإغراق في الدعابة التي كانت هي أ ساس البيان ومنطلقه. أتجنبها ، لما أصبح { للبيان المستطيل } من مسؤولية تاريخية .. كونه شهادة نقدية على شعر مرحلة من أخطر مراحل الشعر في العراق .

كنا في قطار المربد النازل إلى البصرة ليلة 26/4/1969.كان القطار يعجّ بالأدباء ، عراقيين وعرباً وأجانب .. وفي عربات المطعم كان يتزاحم خليط عجيب من الشعراء والأدباء من كلا الجنسين .. كل مجموعة لها شاغلها .. هنا شاعر ينشد قصيدة وحوله جماعة تستمع .. وهنا نقاش حاد حول قضية شعرية .. وهناك حول قضية سياسية ..

كنت واحداً من المستمعين إلى الشعر ، وكانت –كما أتذكر – قصيدة طويلة للشاعر الفلسطيني خالد أبو خالد ، حين وقف على رؤوسنا الشاعر فاضل العزاوي وهو يحمل مجموعة من نسخ مجلة جديدة صدرت عن وزارة الثقافة والإعلام ، ا سمها ( شعر 69 ) ..ثم بدأ يسلم كلاً منا نسخته من المجلة ، متمنياً علينا قراءتها ، وإبداء الرأي بها ، ثم الإسهام فيها .

بعد لحظات كنت أتصفح المجلة فطالعني ، أول ما طالعني فيها ، موضوع بعنوان ( البيان الشعري ). استعجلت تصفّح المجلة لأرى من كاتب البيان ، فوجدته مذيّلاً بتواقيع أربعة شعراء ، أحدهم فاضل العزاوي .عدت إلى البيان لأطلع على ما فيه ، فوجدتني قد دخلت في متاهة معتمة ، أوضحُ ما فيها البيان السريالي لبريتون ! .

لا أدري لماذا ركبتني لحظتها روح المشاكسة ، فانعزلت عن الجماعة ، ثم ذهبت إلى كابينتي ، فأخرجت رزمة من الورق ، واستغرقت في الكتابة ! .

بعد أكثر من ساعة انتبهت جماعتي إلي ! . كان أول من جاءني منهم الصكار .. قال : " ماذا تفعل ؟ " قلت :" أكتب أرجوزة ." قال :" في ماذا ؟ " قلت :"في هذا ! " .. ثم أريته { البيان الشعري } . فقعد الصكار معي .. وما لبث أن انضمّ إلينا شاعران آخران من عصبتنا هما يوسف الصائغ وسلمان الجبوري .

لا أهضم شركائي حقهم ، وإن كنت أدّعي أن أكثر من تسعة أعشار الأرجوزة كتبتها أنا ! .

خلال عملية الكتابة ، وبسبب عاصفة الضحك الكبيرة التي غرقنا فيها ونحن نكتب الأرجوزة ، تكأكأ علينا الشعراء والأدباء من كل حدب وصوب محاولين أن يعرفوا سرّ هذه السعادة الغامرة التي نحن فيها ! . خلال دقائق كانت الأرجوزة حديث قطار المربد كله ! ، بل لقد بلغ الأمر أن كثيراً من الأدباء والشعراء ، منهم من حفظ شيئاً منها ، ومنهم من كتب بعض أبياتها على قصاصات ورق وراحوا يجوبون القطار ، ويقرأونها على الجميع . الطريف أن أبيات الأرجوزة دفعت معظم المربديين إلى فتح المجلة ، وقراءة البيان ، ليروا مساقط هذا الرجز الذي سمعوه ! .

 بدأ الأمر نكتة هكذا ! .. واحتفظ الصكار بمسودات الأرجوزة معه *. وبعد أيام من رجوعنا، اتصل بي أبو ريّا ليخبرني أنه اتفق مع صديقنا الصحفي محمود كامل عارف،على نشر الأرجوزة في الصفحة التي يشرف عليها هو في جريدة ( النور ) .. ودعاني الصكار إلى بيته ليريني ماذا فعل بالأرجوزة ! .

دخلت صومعة الصكار في بيته ، وإذا به يضع بين يديّ مجموعة من الأوراق بالغة الأناقة ، وقد كتب فيها الأرجوزة بخط رائع . المفاجأة ليست هذه .. المفاجأة أن الصكار وضع لها عنواناً مثيراً حدّ اللعنة..ذاك أنه – نكاية بالبيان الشعري – سماها{البيان المستطيل في ما استجد من شعر هذا الجيل } .. ثم ، وبكل رصانة أكاديمية ، قسّم الأرجوزة إلى أبواب .. وجعل لكل باب عنواناً لا يقل إثارة عن العنوان الذي وضعه للأرجوزة . خلاصة القول ، أن الصكار تناول أرجوزة كتبناها للتندّر وقضاء الوقت ، فجعل منها رأياً نقدياً بالغ الإثارة ، نشره - بالإتفاق مع محمود كامل عارف – بطريقة تثير الإنتباه ! .

وقامت القيامة ..! . ما ظهر { البيان المستطيل } إلى النور ، حتى ثارت ثائرة ( البيان الشعري ) ! .. وإذا بالقراء يفاجأون – بعد نشرالبيان – بمقال متفجر للشاعر فاضل العزاوي ، يلعن التراث والتراثيين ، والسلف والسلفيين ، والناس أجمعين !. ويحمّلنا – نحن أصحاب العقول العثمانية (كما ذكر) – مسؤولية قيادة أمتنا لنكسة خمسة حزيران.. وأننا سنقودها إلى ما هو أدهى ، إن لم يبادر إلى تحطيم هذه الرؤوس المتخلفة ، متهماً إيانا بالجبن لأننا لم نعلن عن أ سمائنا **. ثم توعدنا بالويل والثبور وعظائم الأمور ، إن نحن أعلنا عنها ! .

لم يكن لديّ أي خيار آخر..كنت أول من كشف قناعه من الفرسان الأربعة ! . أذكر أنني بدأت ردّي على العزاوي هكذا : " صاحب أكثر العقول العثمانية الأربعة تخلفاً .. وأجدرها بالتحطيم ، هو الفقير لله ، ولمعطيات (البيان الشعري) ، عبدالرزاق عبدالواحد ..فارس { البيان المستطيل } الأول ، والذي يقف أمامه ، ووراءه ، وعن جانبيه ! " .

ثم توالت ردود فرسان{ البيان المستطيل } الواحد بعد الآخر .. وتكاثر عدد المعلقين على البيانين ..وصرت تسمع أن طلاب الجامعة ، إذا نزل أحدهم صباحاً إلى بغداد يقول له أصحابه :"إذا وجدتَ في الصحف اليوم شيئاً عن البيان المستطيل ، فاشترها لنا .

لقد صار { البيان المستطيل } أشهر من ( البيان الشعري ) .. بل لقد غطى عليه ! .

بعد أيام أغلقت مجلة ( شعر 69 ) .. وما يزال أصحابها ، حتى يومنا هذا ، يحمّلونني [ جريمة ] إغلاقها!.

حين زرت الصكار في باريس ، وجدت لديه النسخة الأولى من الأرجوزة ، وبخط يدي – كما أشار في رسالته إليّ – كما وجدته يحتفظ بجميع ما دار حولها من النقاشات ! .

ولأنني شوّقت القاريء إلى { البيان المستطيل }.. فسأجعله مادة الحلقة القادمة من ذكرياتي ، راجياً أن يرجع القاريء الكريم – إن أمكن – إلى مجلة (شعر 69 ) ، ليرى أن معظم نصوص البيان المستطيل منقولة نقلاً حرفياً من البيان الشعري ! .

 

هوامش :

· كنت – وما أزال - كلما ضاقت بي الدنيا ، أو ضقت بها ، بحثت عن سبب أفرغ فيه غيظي رجزاً ! . ولديّ الآن مجموعة من الأراجيز الساخرة يتجاوز عدد أبياتها ألف بيت من الشعر .. حتى أنني أرّخت كثيراً من فترات حياتي وأحداثها بالرجز ! .

· يحتفظ الصكار دائماً بأوليات جميع هذه النـزوات التي غالباً ما يكون هو مشجعي عليها !.

· كان فاضل العزاوي في الحقيقة يعرف من هم أصحاب البيان المستطيل منذ ليلة كتابته .. إلا أنه تظاهر بالجهل ، إما تجاهلاً .. او لأنه أراد أن يشتمنا دون حرج ! .

 * * *

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 البيان المستطيل

 في ما استجدّ من شعر هذا الجيل

 *

ملاحظات مهمة :

1 – كتب هذا البيان – هذه الأرجوزة – في القطار النازل إلى البصرة ليلة 14 / 15 – 4 – 1969 ، في مهرجان المربد الشعري الأول .

2 – ونشر في جريدة ( النور ) العدد 171 في 12 / 5 / 1969 .

3 – كثير من نصوص الأرجوزة مأخوذ من( البيان الشعري ) لمجلة ( شعر 69 ) .. إما حرفياً ، أو بتغيير طفيف تطويعاً للوزن والقافية .

4 – لغة الأرجوزة ، بمفرداتها ، واشتقاقاتها ، هي لغة البيان الشعري .

 * * *

 

المقدّمة :

مِن نقصِ موجوداتِ هذي الدّنيا من مُطلـَقٍ تسقطُ فيه الرؤيا

من ابتِئاسِ النَّزْعِ،نَزْعِ الصَّوتِ ومن مَساقـيطِ فِخاخِ الموتِ

ومن تَمَـحرُكاتِنـا القَعـيـدَه في مُطلَقِ الشَّرنـَقَةِ العَـنيده

 من ههنا تُـمَصْرَنُ الـقصيده !

 

البيان المدني :

إنَّ اعوجاجَ الرَّفضِ في المرفوضِ والنَّقْضِ في المُنتَقِضِ المنقوضِ

من صُـلْبِ أزْمَةِ الوجودِ المـَرئي وعُـقدَةِ الإيغالِ في اللاشَـيءِ

والشاعرُ المُـعَمْـلَقُ اللافـانـي هو الذي مَـرْجَـحَهُ قُطْبـانِ

الموتُ والحيـاةُ .. والتَّمَـْركُزُ يَفرزُ فيما بينَـها ما يَفـرزُ

وهكـذا تُـقَـعَّـرُ القصـائـدُ ويولـَدُ اللابَـدْءُ والتَّـواجُدُ

وليسَ وَعيُ الشـاعرِ براكَماتي لكنَّـهُ تَمَـصْرُعٌ في الـذاتِ

فإنَّـهُ كمـا روى " فالِـكْيـا " يُمَغْـزِلُ الأبعـادَ عَبْرَ الرّؤيا

إذْ يَنْثَني على الفَراغِ المُمْتـَلي مُلـتَحِماً ، مُستَـنِداً كما يَلي :

 

الإيغال في الخروج :

تَزَحلُقُ الرؤيا على الوجـدانِ يُكَثِّـفُ الموتَ لـَدى الفنّـانِ

وحَيثُ تَغطسُ الرؤى في الأزْمَه يَندَلـِقُ الإحساسُ نحوَالقِمـَّه

لا داخلٌ يَضغطُهُ أو خـارجُ كغُرفَـةٍ لـيسَ لـَها َرتائِـجُ

والـوَعيُ ههُنـا ديالَكتيـكي مُمَوسَـقٌ مثلَ السُّعـالِ الدّيكي

 

الخلاصة :

وهكذا "تُمَسْهَـلُ " الأفكـارُ حَدائـقاً ..وتُـفْـرَزُ الأشعـارُ

وتُشْطَفُ الرّؤيا بنَهـرِ الوَهمِ بَريئـةً من صَبـَواتِ العُـقْمِ

وَيُفْلـِتُ الشاعرُ من فِـلِـزِّهِ مُستَخلِصاً قوَّ تـَهُ من عَجْـزِهِ

مُجاوزاً تَفـاهَـةَ التَّكنـيـكِ إلى مَـدارٍ شِـبْهِ ميـكانيكي

 

هوامش :

مُهمَّـةُ الفَنّـانِ عندَ الكَشْـفِ عن الرّؤى في بَحْلَقاتِ الخَوفِ

أن يَستَطيلَ الحُلـُمُ المُنكَسِـرُ بِشَرْطِ أن يَشـْطرَهُ تـَمَجْـذُرُ

فاللُّغـةُ الشِّعـريَّـةُ الرَّنـينِ صامتـةٌ تُسـمَـعُ بالعيـونِ

مَليئـةٌ بالعُشـبِ والألغـازِ أ شاربٌ أنتَ جكَارَةْ غـازي ؟

 أ قاعـدٌ يَومـاً بقَعْـرِ بيـرِ مُحَمْلِقـاً في جَوفِـهِ المُنيـرِ؟

 

 كذاكَ يُولـَدُ النَقاءُ العاري مُغتَسِلاً في أنظَـفِ المجـاري

 

حول النقد :

والنَّقـدُ إذ يُمارِسُ انشِـطارَهْ يُعَـلِّبُ الأفكـارَ للحضـارَهْ

كراكِـبٍ طيَّـارةً حزينَـهْ بلا جَنـاحٍ ، وبِـلا مَكينـَـهْ

أو قاعدٍ في أ سـفَلِ الكابوسِ كَلَفْظَـةٍ تَـنُـقُّ في القـاموسِ

 

عودة ٌإلى مهمة الشاعر:

وهكذا شـاعرُ هـذا العَصْرِ يُبـدِعُ إذ يكتبُ ما لا يَـدري

يَنـامُ في َيقْـظَتِهِ ، ويَصحو في نـَومِهِ .. يَخُطُّ ، ثمَّ يَمحو

وكَي يَكونَ شاعـراً كبـيرا علَيْـهِ أنْ لا يُحسـِنَ التَّفكيـرا

عليهِ أن يقولَ شعراً غامضا تركضُ خلفَـهُ ويبقى راكضـا

فأنتَ إن أدرَكتَـهُ يا قـاري فَـذاكَ طائرٌ بـِلا منـقـارِ

 

خاتمة :

المَجـدُ للـشـاعرِ إذْ يَرودُ مَجاهِـلاً يَعـيثُ فيها الـدّودُ

المَجـدُ للقصيدةِ المُمَغْـنَطَهْ تُحَـرِّكُ المَشـاعرَ المُحَنَّـطَهْ

المَجـدُ للقاريءِ إذ لا يَفهَمُ المَجـدُ للسّـامعِ وهو مُرْغَـمُ

هذا بَيانُنا وقد وَفّى الغَرَضْ ومَن أساءَ فَهْمَهُ يطُبـَّهْ مَرَضْ !

 

 * * *

 

ِ

ملاحظة : بين ما مرّ من الذكريات وما

 سيأتي ، أربع حلقات مفقودة

 نعود إليها في وقت لاحق.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 العمـــارة

 *

 

أراهنُ أنَّ الذي أسمعُ الآنَ ليسَ الصَّدى

أراهنُ أنَّ الذي يتَسلَّلُ بين المفاصلِ

 شيءٌ سِوى الصَّمت

هل قلتُ شيئا ًعن الذاكره ؟

ربَّما كان لي قمرٌ

ربَّما أوَرقَتْ سِدرةٌ ذاتَ يومٍ

 بزاويةٍ في العمارةِ أعرفُها

ولَجأتُ إليها صغيرا ً

 يُعَذّبني الشكُّ في حَيةٍ قيلَ تَسكُنها

ولجأتُ إليها كبيرا ً

 فلم نتَعرَّفْ على بعضِنا

آهِ..

 مَن لي بخوفِ الطفوله ؟!

 

وأقسمُ أنَّ الذي أسمعُ الآن غيرُ الصَّدى

أنَّ ما يقلقُ الضَّجة َالآن َ

 شيءٌ سوى الصمت

يا قمرا ًفي شواطي العمارة

 مِن أين نأتي بحَدسِ الطفولةِ

 مِن أين ..؟!

 

 ********

 

 كثيرا ً ما يقال لي : جئتَ من العمارة وأنت ابن ثلاث سنوات .. وغادرتها وأنت ابن اثنتي عشرة سنة .. فكيف أثرت العمارة في شعرك ..؟

 

 وبطرفة عين تنهض العمارة أمامي .. أتذكر محلة " السرية "*. .. أزقتها التي كنا نملأها بلعبنا : الدعبل ..الجعاب .. طوط للي ..

 

قمندار .. المحنق *.. الملاعيب التي كنا نشتريه في الأعياد ، بعد أننجمع يومياتنا فلسا ًفلسا ًطوال أ شهر : عين الشمس.. شخاط رحلو .. الطرقات .. مسدسات البوتاز *.. وكيف كنا نتشكل على شكل مجاميع تتقاسم الأزقة وأبواب البيوت ! .

 

 أتذكر بساتين الكحلاء ، وكيف كنا نتوغل في حشائشها وبين نخيلها وسواقيها بحثا ًعن " سميسم الله " .. و" الكاكلله ".. و" السعد" .. و" الحندكوك "*.. وكم ركض خلفنا الفلاحون ! . أتذكر كم بحثنا في الشواطيء عبثا ًعن " الخريط "*.. كم كنا نحمل سناراتنا ونجلس ساعات طويلة على الشطآن ، فلا نصطاد إلا " أبو الزمير " ، فنعقد بين زعانفه البردي ، ونطلقه في الماء .. لا يغطس ، ولا يطفو ! .

 

 أتذكر أيام العطل الصيفية ، وكيف كنا ـ رغم تحذيرات أهلنا ـ

 

نهرب إلى النهر .. كم مرة نجوت بأعجوبة من الغرق ! .

 

 " علي الغربي " .. وأخيلة الجبال البعيدة التي كنت أتأملها في الأماسي ، حالما ًبارتفاعاتها الهائلة ، وأنا ساهم على دكة بيتنا المشرف على النهر ..

 

 " المجر الكبير "* .. بساتينها .. وأنهارها .. أسراب الطيور المهاجرة ، وأنا أتابع مثلثها متساوي الساقين ، وقد ترك ضلعه الثالث منفتحا ًعلى كل المجاهيل .. أصوات البلابل والعصافير متداخلة مع كل أصوات الطبيعة الأخرى ، وهي توقظني قبيل شروق الشمس ، فأنزل من السطح راكضا ًلأختبيء في أي مكان ظليل أواصل النوم فيه ! .

 

 ويقال لي : كيف أثرت العمارة في شعرك ؟! .

 

أنبل ما ورثته من الحياة .. خاصة طيبتها وبساطتها .. كان من العمارة ! . أعز ما تعلمته في الحياة .. لاسيما المحبة والحنين الجارف .. كان من العمارة ! .. وأعمق الحزن .. الذي تسمع صليل ارتطامه بالعظم .. وتحس مزاريب دموعه تنشج بين أودية الروح .. حملته من العمارة ! .

 

 

 

تَعَرَّت الأهوارْ

 

صَعدتُ مِن أحضانِها غيمَه

 

أرعَدتُ ،

 

أبرقتُ ،

 

تبَعثرتُ كما أ شاءْ

 

وكلَّما لملَمَ أطرافيَ بَردُ الشتاءْ

 

عُدتُ رذاذا ً.. مطرا ً.. حالوبْ

 

أنقرُ في السقوفِ والأبوابْ

 

أركضُ في الدروبْ

 

ألصقُ بالأوجُهِ .. بالشفاهِِ .. بالـ ..

 

اللـــهْ ..

 

يا دفءَ أحضانِ المشاحيفِ ! *

 

 

 

 عشر سنوات في العمارة .. هي ماسة الروح .. وكل ما تجمع فوقها بعد ذلك ، ظل يقتات من وهجها ، ولا يضيف إليه !.

 

 أعذب مياه عمري ، وشعري ، تتدفق كلما استطعت أن أثقب في طبقات الروح ثقبا ًعمقه خمسون سنة !! .

 

 وبين طفولتي ، وبين أرياف العمارة وقراها ، وبين أزقتها المسكونة أبدا ً بالحب وبالطفولة ، تنعقد معادلة العمر كله .. والشعر كله ! .

 

 

 

 ~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

 

* قصيدة للشاعر كتبها في أوائل السبعينات ، وهي بعنوان " حنين إلى الطفولة " من ديوان " قصائد في الحب والموت " .

 

* " السرية " محلة في وسط العمارة عاش فيها الشاعر طفولته ، وما يزال بيته قائما ًفيها .

 

* أسماء لعب كان الأطفال يلعبونها في العمارة ، ونفسها ، مع اختلاف في التسميات في مدن العراق الأخرى .

 

* ألعاب نارية خاصة بالأطفال ، كنا نلعب بها في الأعياد .

 

* نباتات مختلفة .. منها ما يستعمل كالعلكة ، ومنها ما يؤكل هكذا ، أو مع الخبز .

 

* ثمر يستخرج من البردي ، وهو كبير الشبه بالكبريت في صفرته وشكله .

 

* قضاءان من أقضية محافظة ميسان " العمارة " .

 

* قصيدة " المشاحيف " من ديوان " خيمة على مشارف الأربعين " عام 1970 .

 

 

 

 * * *

 

 

 

 

 

 معلمون ومناهج

 

 

 

 *

 

 كنت في نادي التعارف .. وكان بين الموجودين عدد من المسؤولين دعوا لحضور حفل توزيع ائزة الدكتور عبدالجبار عبدالله على متفوقي ذلك العام من الطلبة .

 

 في افتتاح الحفل قدم الأستاذ رشيد غالب الناشي .. وهو من أقرباء الدكتور عبدالجبار عبدالله ، وأصدقاء طفولته .. قدِّم لإلقاء كلمة بالمناسبة . ونهض الأستاذ رشيد ، معلم الإبتدائية العريق ، بقامته الممشوقة الفارعة وأكتافه التي انحنت انحناءة خفيفة تحت وطأة الثمانين عاما ًونيف .

 

 وبدأ أبو حامد يتحدث عن ذكرياته مع عبدالجبار عبدالله . كانت أمامه مجموعة من الأوراق ، لكنه لم يكن ينظر إليها ، حتى أنني عجبت كيف ا ستطاع أن يحفظ كلمته الطويلة هذه عن ظهر قلب !. فجأة اكتشفت أنه كان يتحدث ارتجالا ً، وأن الأوراق التي أمامه لا علاقة لها بكلمته .. إنما هي أوراق قصيدة طويلة ينتظر إلقاءها في نهاية كلمته ! .

 

 سمعت مرة رأياً لأحد المشرفين التربويين ـ وكانوا يسمونهم المفتشين في ما مضى ـ قال ذلك المشرف التربوي : حين يتحدث رشيد غالب في درس الجغرافية ، عن سفرة بين مدينتين ، تحس وكأنك تسمع صوت القطار ، وتبصر حركته ، ترى المسافرين ، والباعة وهم يتجولون بين العربات .. تسمع نداءاتهم ولغط الركاب، وترى كل ما حولك في الطريق .

 

 كنت جالسا ًإلى جوار الأستاذ ناجي الحديثي وكيل وزارة الثقافة والإعلام .. التفت إليّ الأستاذ ناجي قائلا ً: أية بلاغة ، وأية قدرة على الكلام هذهى ؟! . إنه يأخذ إليه جميع الألباب وهو يتحدث .. وهو معلم إبتدائية ! .

 

 حين اعتليت المنصة لألقي قصيدتي عن عبدالجبار عبدالله ، قلت : يسألونني كثيرا ً: كيف استقام لك هذا الإلقاء المؤثر للشعر ؟

 

وها أمامكم الجواب ! . هذا المعلم الجليل الذي استمعتم إليه الآن ، كان واحدا ًمن أساتذتي في المدرسة الإبتدائية في العمارة .. وحرام على من كان معلموه مثل هذا ألا يحسن الإلقاء ! .

 

 مجموعة عجيبة من المعلمين كانت تدرسنا في المدرسة الإبتدائية في العمارة .. ترى هلا كانوا جميعهم ظواهر إ ستثنائية بين زملائهم ، أم أن المعلمين جميعا ً آنذاك كانوا كذلك ؟ . بطرس نقاشة .. معلم لا أنساه .. بشقرة شعره .. وبياض بشرته .. وقامته المديدة .. وبعمره الذي أشرف على الخمسين . كان يدرسنا في الصف الرابع الإبتدائي ، في كدرسة الفيصلية الإبتدائية للبنين في العمارة ، ذلك المعلم الدؤوب ، الهاديء ، المتفاني في درسه .. كيف يمكن لمن تتلمذوا عليه أن ينسوه ؟!. كان يعجب كيف أحصل في درس الإملاء على 10/10 دائما ً. جاء مرة إلى الصف ، وحال دخوله طلب مني أن أخرج إلى السبورة . أذكر أنني أجفلت لحظتها.. كانت في يده أوراق امتحاننا الشهري في الإملاء والخط. حين لاحظ ارتباكي قال : لا تخف . لديّ عشر كلمات أريدك أن تكتبها لي على اللوح . ثم أخذ يملي عليّ كلمات كلها تحتوي على الهمزة في أوضاع مختلفة .

 

 إذا قلت للقاريء أنني لا أدري حتى الآن بأي هاجس كنت أميز وضع الهمزة في الكلمة ، فقد يبدو في قولي شيء من عدم التحفظ..ولكنني كنت طفلاً لم أقرأ بعد شيئاً ، ولم أطلع على شيء . المهم أنني كتبت على السبورة عشر كلمات كلها تحتوي على الهمزة . ثم أ شار إلي المعلم أن أبتعد عن اللوحة ، وبدأ يتأمل الكلمات ، وأمسك بقطعة طباشير ، وراح يضع علامة " صح " إلى جانب كل كلمة والطلاب ينظرون 9 / 10 كانت النتيجة .." تسع كلمات صحيحة ، وواحدة خطأ ، في أصعب إمتحان " .. هكذا قال وهو يتأمل جرمي الصغير ، ثم عاد إلى منضدته . أخرج ورقة وكتب فيها ، ثم سلمني إياها قائلاً : لا تفتحها الآن ، بل سلمها لأهلك حين تعود إلى البيت .

 

 ما أن دقّ الجرس ، حتى تكأكأ عليّ الطلاب يريدون أن يعرفوا ماذا في الورقة . ورغم أني لم أستوعب تماماً ماذا عنى معلمي ، ولكنني شعرت بين زملائي كأنني انتشرت على جلدي ألف ريشة طاووس ! . وكاد الطلاب يتلفون الورقة لكثرة ما تناهبوها . كان مكتوباً فيها : " إعتنوا بولدكم هذا ‘ فسيكون شيئاً في المستقبل " . ولم أفهم وقتها ما " شيئاً " هذه ! .

 

 كم معلماً كان لدينا على غرار رشيد غالب ، وبطرس نقاشه ؟ ..كثيرون !! . لقد كان معظم المعلمين مثل هذين ! .. كان بعض معلمي الفيصلية الإبتدائية يقول للأستاذ شاكر محمود ، معلم اللغة العربية :" يا أستاذ شاكر .. كلما صرت مراقباً يوم الخميس ، أخرجت هذا الطفل لقراءة قصيدة " العلم " ، وهو يلثغ في الراء ، ويخنّ في السين والصاد .. سمعت هذا التعليق بنفسي .. وسمعته يقول لصاحبه : هل انتبهت إلى طريقة إلقائه ، وإلى مدى انفعاله وهو يقرأ ؟! .

 

 لقد كان لنا معلمون .. وأقسم أن كل ما أنا عليه .. ما كان منه حسناً فأنا مدين به لهم ، وما كان منه سيئاً فأنا مدين به لنفسي .. هؤلاء المربون الكبار ! .

 

 ترى .. أزمة التعليم الآن .. أهي أزمة في تربية التلميذ ، أم أزمة في تربية الملم ؟! .

 

 مرة سمعت عن الصديق الشاعر الأستاذ حميد سعيد أنه قال : كنت أكره درس اللغة العربية حتى دخل علينا ذات صباح مدرس شاب ، نحيل ،أسمر..وأمسك بقطعة طباشير ـ في أول درس له ـ ورااح يكتب بخط نسخ جميل على السبورة :

 

 أخي من نحن لا وطنٌ ولا أهلٌ .. ولا جارُ

 

إلى آخر القصيدة . قال : منذ ذلك اليوم بدأت أحفظ الشعر .. وأحب اللغة العربية .. وكان ذلك المدرس هو الشاعر عبدالرزاق عبدالواحد ! .

 

 ألف شكر لشهادة الصديق الحبيب ، والتلميذ الحبيب حميد سعيد.

 

هذه الشهادة تجعلني أتساءل : ترى لولا هذه الصدفة في حياته ، أما كان محتملاً أن يظل على كرهه لدروس اللغة العربية ، واتجه أي اتجاه آخر ، فلم يصبح الشاعر المبدع حميد سعيد ؟ .

 

 هل تسمع مناهجنا ، ومعلمونا هذا الكلام ؟ .. وهل تقرأه وزارة التربية والتعليم ؟ ! .

 

 

 

· نادي التعارف : نادٍ ثقافي اجتماعي خاص بطائفة الصابئة المندائيين .

· هي جائزة استنها نادي التعارف ، وأصبحت طقساً من طقوسه ، تقدم كل سنة للمتفوقين من بنات وأبناء أعضائه .

· البيت من قصيدة " أخي " للشاعر المهجري ميخائيل نعيمه .

 

 

 

 

 

 

 

 

 تحت ذرى القرآن

 

 *

 

 

 

أبصرُ قوماً شُغِلوا بناقةٍ معقوره *

 

أكفُّهُم ترفعُ جذعَها إلى قائمتَيها

 

 كلَّما أوشكَ

 

 مال َ الجذعُ من جديدْ

 

وَيْ .. إنّها ثَمودْ

 

مأخوذةٌ بهذه النّاقةِ حتى يُرفَعَ الميزانْ

 

 

 

ثمودُ يا ثمودْ

 

أحملُ عنكِ لعنةَ الأبَدْ

 

لو أنتِ صدَّقتِ بأنّ صالحاً ليس هو النّاقَه

 

وأنـّهُ يعودْ

 

يعودُ يا ثمود من رحلتِهِ الكبرى

 

وناقةٌ تتبعُهُ أخرى

 

أدفعُ رأ سي ثمناً

 

 لو أنتِ لم تحاولي

 

 أن تعقريها مرّةً أخرى ..!

 

 

 * * *

 كنت طالباً في الصف الخامس الأبتدائي ، عندما انتقلت بنا والدتي – أنا وإخوتي – من العمارة إلى علي الغربي ، حيث بيت جدّي ، وخالتي التي أصبحت مديرة لمدرسة علي الغربي الأبتدائية للبنات .

كان أبي يعمل في طرابلس الغرب .. وكانت سنة اندلاع ثورة رشيد عالي الكيلاني ، حيث ألقت الطائرات الأنكليزية قنابلها مرتين على العمارة . ولغياب والدي ، وخوف أمي علينا ، انتقلت بنا إلى بيت أبيها في علي الغربي .

في اليوم الأول من دوامي في مدرسة علي الغربي الأبتدائية للبنين ، التصق بي تلميذ نحيف القامة ، أبيض البشرة ، ليّن الحركات .. التصق بي التصاقاً أحسست معه فجأة بالنفور . عرفت أن اسمه ابراهيم حسقيل .. وأنه يهودي .. اليهودي الوحيد في المدرسة .. وأنت الصابئي الوحيد في المدرسة .. هذا ما قاله لي , وهذا ما أشعرني بالنفور منه أول ما عرفته ! .

ثلاثة أيام .. لم يتح لي ابراهيم خلالها أن أتعرف على تلميذ سواه.. وربما لم يقترب أحد من التلاميذ مني بسبب ابراهيم ! ..

في اليوم الثالث ، بعد الفرصة الطويلة ، دقّ جرس الدرس . كنت أ ستدير لأتوجه إلى الصف ، حين ا ستوقفني ابراهيم سائلاً : "إلى أين ؟". قلت :" إلى الصف .. لقد دقّ الجرس ." قال :" أعلم أن الجرس دق .. ولكن .. لدينا درس دين ، فإلى أين أنت ذاهب ؟" . قلت :" إلى الصف طبعاً ." قال :"ولكنك صابئي .."

فجأة أحسست باشمئزاز رهيب من ابراهيم .. قلت :" وماذا يعني هذا ؟؟." قال :"سيطردك المعلم من الصف!" هنا بلغ ا شمئزازي منه ذروته . تركته دون أية كلمة ، ودخلت الصف .

دخل المعلم الصف .. أوّل شيء فعله أن قال :" من عبد الرزاق عبد الواحد ؟ ." فوقفت فرحاً بهذا الإمتياز !.. قال :" خذ كتبك واخرج من الصف !." قلت ، وأنا أداري حرجي ، ونظرات الطلاب التي اتجهت جميعها إلي :" لماذا أخرج ؟." قال :" ألستَ صابئياً ؟" قلت :" بلى " قال :" فاخرج إذن من الصف." قلت :" ولكننا يا أستاذ كنا ندرس درس الدين طيلة خمس سنوات في العمارة ." قال :" أنت في علي الغربي، ولست في العمارة . خذ كتبك واخرج ! ." .. وأخذت كتبي وخرجت ! .

أقسم بأغلظ الأيمان ، أنني – حتى الآن – لا أ ستطيع ردم الحفرة التي حفرتها في مخي نظرة ابراهيم الشامتة حين رآني أخرج حاملاً كتبي من الصف . حاول أن يقترب مني ، فابتعدت عنه ، وفتحت جزء عمّ الذي كان معي ، ورحت أقرأ في الساحة بصوت عالٍ جداً .. وإذا بالمعلم يناديني . نظرت إلى ابراهيم نظرة متشفية لاعتقادي بأن المعلم ناداني ليدخلني إلى الصف ..ولكن..ما ان وصلت إليه حتى قال : "أعطني القرآن" . قلت :" ولكنه كتابي " فمدّ يده إليه وسحبه من يدي بأقسى ما يستطيع !

لم أدخل بعدها درس الدين .. ولا نظرت في وجه ابراهيم حسقيل .. ولسنوات طويلة ظل قلبي يقطر مرارة من كراهية ذلك المعلم .

ومرت الأعوام .. وولعت بالآداب وبالشعر ..ثم تخصصت بهما . وعبر كل هذه السنين ، كانت لغة القرآن دليلي .. وكان أدبه زادي . أكانت ردة الفعل أنني شغفت بقراءته ، وحفظه ، وسماع تجويده ؟ .. أم هو حب الأدب واللغة في أعلى مظاهرها ؟ .

كتبت مرة مقالاً لم يُنشر ، فحواه ( لا تحرموا أطفالنا من درس الدين ).. والخطاب هنا موجه إلى وزارة التربية والتعليم .. وذلك لأنني أعتقد أن قراءة القرآن ، وحفظه في الطفولة ، يهيّء الطفل تهيئة مبكرة للتأدب بآدابه ، ويسهم مباشرة في تكوين ضميره .

لقد جاوزت الستين ، وأنا أكاد أبكي كلما تذكرت قوله تعالى { واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل ربّ ارحمهما كما ربياني صغيرا } .. لفرط حنيني إلى تلك الأيام ، وهذا العمر البريء الذي حفظت فيه هذه الآية الكريمة.. ولإحساسي – وأنا أب وجد – بحاجتي إلى حنان أبي وأمي !! .

~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

 

 * مقطع من ملحمة { الصوت } لصاحب الذكريات .

 

 

 * * *

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 أوّل الشِّعر

 *

عاد أبي من طرابلس الغرب قبيل الحرب العالمية الثانية.. فكان أول شيء فعله أن عاد بنا جميعاً إلى بغداد .

نزلنا ، أ ول وصولنا ، في بيت أقرباء لنا في محلة ( الكريمات ).. وخلال أيام وجد أبي لنا بيتاً ا ستأجرناه في محلة ( الصرافية ) ، وهكذا كانت مدرسة ( الغربية المتوسطة للبنين ) أقرب المدارس إلينا ، فأخذ ني أبي في صباح اليوم التالي لتسجيلي فيها.

كثيراً ما أ شرت إلى ضآلة جسمي بالأضافة إلى صغر سني حين كنت طالباً في المتوسطة ، وفي السنة الأولى في الإعدادية أيضاً .. ولقد عانيت الكثير من صغر جرمي هذا ! .

دخل أبي على مدير الغربية المتوسطة ، وكان في غرفته عدد من المدرسين . سلم أبي ثم قال وهو يمسك بيدي : " جئت بولدي أسجله لديكم " .. فنظر المدير إليّ ثم قال لأبي : " المدرسة الإبتدائية إلى جوارنا .. هذه مدرسة متوسطة ." قال أبي :" أعلم هذا . ولدي في المتوسطة وليس في الإبتدائية ." فرفع المدير حاجبيه متعجباً وهو يقول :" هذا؟؟! " ، فضحك أبي قائلاً :" دخل المدرسة وهو طفل صغير .. في العمارة لا يتشدّدون مع الأطفال كثيراً في القبول ." وزاد مرح المدير والمدرسين حين وضع أبي شهادة نقلي بين أيديهم ، فرأوا أني في الصف الثاني المتوسط . أذكر أن المدير قال لأبي مازحاً :" لماذا لم تجلب كاروكه معه؟ !"* وضحكوا جميعاً بينما كانت تتنازعني مشاعر متضاربة بين الزهو والخجل !.

 من جملة ما سببته لي نعومة جسمي في المتوسطة من متاعب ، أن الطلاب الكبار كانوا يمازحونني برفعي إلى الأعلى من كلتا أذنيّ.. وكثيراً ما تشاجرت بسبب ذلك .. كنت ألعن ، وأ شتم ، بينما هم يتضاحكون وهم يطوقونني ، ويتناوبون رفعي من الآذان ، حتى أصبت بسبب ذلك بثقل سمع ا ستمرّ أكثر من عام .. ولم ينقذني من هذه المشاكسة إلا لجوئي إلى المدير.

في الغربية المتوسطة.. وبطريق الصدفة المحض ..تفتح أول براعم الشعر في حياتي . كان بيتي بعيداً نسبياً عن المدرسة .. وكنت كثيراً ما أصل متأخراً إلى الدرس ، فيسجلني المراقب غائباً . وكنت آنذاك أقرزم أبياتاً متناثرة لا أعلم ماهيتها .. وليس لي منها إلا التسلية .

ذات يوم فاوضني مراقب الصف على أن أمدحه بقصيدة مقابل أن لا يسجلني غائباً بعد ذلك * .. وفعلت ! إذكر إلى الآن البيت الأول من تلك القصيدة ، وأ ستكثر إلى الآن على ابن ثلاث عشرة سنة ، كيف ا ستطاع أن يصوغ هذه الصياغة :

 ومراقبٍ عندَ الصباحِ إذا أتى

 يجلو الفضيلةَ وجهُهُ الوَضّاءُ

 * * *

كان لدينا مدرس لغة عربية مصري ا سمه ابراهيم أبو الفتوح – رحمه الله - .. وكان أديباً ، ويكتب الشعر أيضاً . أعطيت القصيدة للمراقب ، فما كان منه إلا أن أ سرع إلى الأستاذ " أبو الفتوح " ، وكان لدينا درس إنشاء فوضع في يده القصيدة قائلاً : "أ ستاذ..هذه قصيدة مدحني بها عبد الرزاق ."

ذلك يوم في حياتي لا أنساه ! . أطال أبو الفتوح النظر إلى الورقة ، ثم التفت إلي قائلاً :" أنت كتبت هذا يا عبد الرازق ؟ " قلت بحياء :" نعم " . قال :" إذا طلبت منك الآن يا عبد الرازق أن تكتب لي شيئاً كهذا ، في موضوع أقترحه عليك ، فهل تفعل ؟؟ ." قلت :" نعم " قال :" إجلس ، واكتب لي محاورة بين فصول السنة الأربعة ، لكل فصل بيتان من الشعر ."

بين فضول الطلاب ، ووهج هذه التجربة الفريدة .. أخرجت أوراقي وقلمي ، وشرعت بالكتابة . قبل نهاية الدرس ، سلمت إلى الأستاذ أبو الفتوح ورقتين فيهما ستة عشر بيتاً من الشعر ، عن كل فصل من فصول السنة أربعة أبيات ! .

منذ ذلك اليوم ، حياتي في المدرسة تغيرت كلها ..تغير أولاً وضعي في درس اللغة العربية . ألغى المدرس اسمي .. وصار يناديني ( العبقري ) ! . وما عاد للطلاب عنده أ سماء ، فهو يناديهم هكذا :" اللي أمام عبدالرازق باثنين .. واللي على يمينه بثلاثة .. وهكذا !!

ومنذ ذلك اليوم ، ما عادت للطلاب تسلية سوى مشاكستي حدَّ أن أبكي أحياناً ! . :" العبقري يستحق الرفع !.. هيا نرفعه من أذنيه ! ." .. وأركض إلى كل اتجاه محاولاً النجاة ، ولكن دون جدوى ! .

ومنذ ذلك اليوم ، أهملت جميع الدروس ، وتشبثت بدرس اللغة العربية وحده ، حتى كدت أرسب في ذلك العام! .

بدأ أبو الفتوح تكريمي بأن أهداني مجموعة ثمينة من الكتب ، أذكر من بينها كتاب ( حي بن يقظان ) .. ثم راح يشجعني على المطالعة الخارجية . كان يقول لي :" إ قرأ . لا تكتب شيئاً الآن .. إ قرأ فقط، واحفظ الشعر ما ا ستطعت !" . وهذا ما فعلته .. رحت أقرأ بنهم .. وأحفظ بنهم أكبر .

أول قصيدة كتبتها بعد ذلك كانت في الغزل ! . كانت لي ابنة عمّ في مثل سني ، كنت أ قضي كثيراً من وقتي في بيتهم .. فأبوها كان كبير عائلتنا . وأحببتها .. بكل براءة ، وطفولة ، ورومانسية ذلك العمر .. فكتبت لها قصيدة لم أعد أحفظ منها سوى هذا البيت :

 

 بلقيسُ يا بلقيسُ يا حـلـُمَ العذارى الحالمات

 جئت في اليوم التالي إلى بيتهم ، أ قـدّم رجلاً وأؤخر أخرى .. القصيدة في يدي ، وأنا أرتجف بكل ما في كينونتي الصغيرة من قدرة على الإرتجاف . طرقت الباب ، ففتحتها هي . كانت بملابس البيت .. وكنا أثناء العطلة الصيفية ..وكان الوقت صباحاً .

لم أقل شيئاً .. لم أجب وهي تدعوني إلى الدخول ، سوى أنني وضعت الأوراق في يدها .. قلت :" هذه لك " .. ثم أ سرعت في الإختفاء عن عينيها المتسائلتين ! .

كيف يمكن للإنسان أن ينسى أحداثاً كهذه ؟! . مساء ذلك اليوم كنت مع جماعة من أصدقائي في مدخل إحدى صالات السينما الصيفية في الباب الشرقي ، ننتظر دورنا لقطع تذاكر الدخول ، حين امتدت إلي يد وسحبتـني من الطابور . التـفتّ ، وإذا به ابن عمي .. الأخ الأكبر لبلقيس .. وكان يكبرني بعدة سنوات . قال بوجه بالغ الصرامة : " لا أريد أن أجرحك أمام أصدقائك .. ولكن ، تأتي إلى بيتـنا غداً ، وتعتذر من ابنة عمك ! ." وتركني وانصرف ! .

لم أذهب إلى بيت عمي لمدة طويلة بعدها ، رغم تساؤلات عمي الذي كان يحدب عليّ أكثر من حدبه على أولاده .. ولم أكتب الشعر لمدة طويلة .. حتى دخلت في الدراسة الثانوية .

 ~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

 هوامش :

* الكاروك : كلمة عامية من أصل أعجمي ، تعني المهد .

* المراقب : هو حالياً المحامي صباح محمد شكري وأذكر أني حين ذكرت هذه الحادثة في برنامج { سيرة وذكريات } التلفزيوني قبيل سنوات ، وصلتني رسالة عزيزة من الأخ صباح ، وفيها صورة له من أيام التلمذة.. وأخبرني في رسالته أنه مايزال يحتفظ بقصيدتي له حتى اليوم ! .

* إخواننا المصريون هكذا ينطقون اسم (عبدالرزاق ) ، بصيغة اسم الفـاعل لا بصيغة المبالغة .. وقد حصل أن صمم أحد دواويني فنان مصري ، فكتب ا سمي على الغلاف ( عبد الرازق ) .. وطبع هكذا مما اضطر المطبعة إلى سحب الديوان ، وإعادة طبع الغلاف ! .

 

 * * *

 

 

 

 

 

 

 

 

 أول قصيدة نشرتها

 *

 

عام 1945 ، كنت في الخامسة عشرة من عمري .. طالباً في الصف الرابع الأدبي في الإعدادية المركزية ببغداد ، حين نشرت لي جريدة ( الوطن ) العراقية قصيدة عنوانها { إلى سائلة } .

كنت أ شتغل عامل صياغة في الكاظمية خلال العطلة الصيفية بين الرابع والخامس ، لأعيل إخوتي الذين أنا أكبرهم .. وشاهدتها في طريق عودتي إلى البيت .

كان الوقت عصراً .. وهي تفترش أحد الأرصفة قرب مرأب علاوي الحلة لتجمع سيارات الأجرة .. وقد التصق طفلها الرضيع بصدرها ، بينما أغفى الثاني ذو العامين على أ سمال بالية بجانبها..وكانت تستجدي .

ا ستوقفني التجمع واللغط .. ثم رأيت رجلين يجرجران رجلاً آخر كان يبدو ثملاً ، ويبعدانه عن المكان . علمت من الجلبة أن هذا الثمل كان يساومها على نفسها بربع دينار ظل في يده حتى لحظة إبعاده عن مكان الحادث .. وأنها نهرته، ثم اضطرت إلى الإستغاثة ، فاجتمع حوله الناس ، ونالوا منه .

في الليلة نفسها كتبت هذه القصيدة .. ولم تكن أول قصيدة أكتب ، ولكنها كانت أول قصيدة نشرت لي .. ولن أنسى زهو ذلك اليوم ! .

 

 إلى سـائلة

 *

 أبنتَ الشـقاءِ ، أريقي الدمـوعْ

 وإنـّي أ نينـاً يَفـلُّ الضلـوعْ

 وسيري وجوعُكِ يـُوهِي خُطاكِ

 ونـامي وسُـقمُكِ يُدمي الهجوعْ

 صِلي بالنهـار بُكـاءَ الظـلام

 وشَكوى الغروبِ وبَلوى الطلوعْ

 وغَطّي بِطِمرِكِ عُـريَ الفَطيـم

 وضُمّي لصدرِكِ ثَغرَ الرّضيعْ

 أريقي دموعَكِ عَـلَّ الدمـوع

 تـُنَهنِـه ُ آلامَ قلـبٍ صَـديعْ

 *

 مَـدَدتِ بكَفَّـيكِ للعـابريـن

 فَمَـدُّوا إليـكِ أكُـفّـاً تُريـعْ

 أكُفٌّ من الإثـمِ ليسَـتْ تُـمَدُّ

 إلى الخيرِ إلا وعِرضٌ صَـريعْ

 فَلمّـا أبَيـتِ عـدِمتِ الأكُـفَّ

 فَصِحْتِ ولاتَ لـصوتٍ سَـميعْ

 فَمُـدّي بكَـفَّيكِ نحـوَ السّـماء

 وصيحي لقد كِدتُ أهلـِكُ جوعْ

 لَعَـلَّ السّـماءَ تُغـيثُ الجـياعَ

 إذا لم يكن في الورى من شـفيعْ

 *

 أبنتَ الشّقـاءِ أريـقي الدمـوعْ

 سِجاماً تُرَوّي عطـاشَ الزّروعْ

 أريقي إلى أن يَحـينَ الحَصـاد

 فَـيُتخَمَ فَـردٌ وألـفٌ تجـوعْ

 ويَنعَمَ بالعَـيشِ زَيـدٌ وعَمرو

 وشَعبٌ يُـجَرَّعُ سُـمّاً نـَقيـعْ

 كذا أمرُ دنيـاكِ بنتَ الشـقاء

 نـُذَلُّ ونـَحيا حيـاةَ القَـنوعْ

 نُسـاقُ إلى حَتْفِنـا صاغـرين

 

 كما سِيـقَ للجـازرينَ القَطيعْ

 ونـَخضَعُ للأمرِ مثـلَ العبيـد

 ويُؤمَرُ عبـدٌ فيـأبى الخضوعْ

 ستُسـرِفُ دُنياكِ أمراً ونـَهـياً

 وتأمُـرُ يوماً فَمـا من مطيـعْ !

 *

 أبنـتَ الشّـقاءِ أريقي الدّمـوعْ

 وإنـّي أنينـاً يفـلُّ الضّـلوعْ

 لَعَـلَّ اللهـيبَ الذي في دموعِكِ

 يُـوقِدُ مُـنطَفيـاتِ الشـّموعْ !

 * * *

 

بعد هذه القصيدة بأيام نشرت لي جريدة ( الوطن ) أيضاً قصيدة أخرى لا أتذكر عنوانها ، ولكنني ما زلت أحفظ حتى الآن المقطع الأول منها :

 

في حالكٍ ليس يُـقحَمْ شعاعُ نورٍ تَبَسَّـمْ

 يا شَعبُ لا تَتَـأ لَّمْ

أوشَكتَ تَشهَدُ صُبحا يأسوكَ جُرحاً فَجُرحا!

 

هنا ، لا مفر من الإشارة إلى أنني ا شتهرت مبكراً ، لا عن طريق نشر قصائدي ، بل بما كنت ألقيه من شعري في التظاهرات ، وخاصة تظاهرات الوثبة عام 1947 ، وكنت في حينها طالباً في الصف الأول ، قسم اللغة العربية بدار المعلمين العالية .

لكي يكون لهذه الذكريات طعم آخر ، أروي هذه الطريفة :

كان من ألمع طلاب مرحلتنا ، طالب في قسم اللغة الأنكليزية اسمه فائق العيداني . فائق كان متميزاً في أمور كثيرة .. منها لباقته ، وقابليته المذهلة على الصلة بالآخر ! إنه يستطيع خلال دقائق أن يقيم معبراً بينه وبين أكثر الناس تحفظاً ! . وفائق كان صديقي وصديق الآخرين جميعاً .

خلال أيام الوثبة ، كان يأتيني كل صباح ليأخذ نسخة من القصيدة التي كتبتها في الليلة الماضية .. وعندما تبدأ التظاهرة ، كان يبحث عن أجمل تجمع للطالبات ، فيلقي القصيدة فيه ! .. وفي اليوم التالي ، أو مساء اليوم نفسه ، نسمع ثناء المعجبات على فائق ، وتعليقات الغيرانين منه !

بعد أيام انقطع فائق عن زيارتي . في الحقيقة .. على الرغم من غيرتي أنا أيضاً منه ، فقد افتقدته ! .بعد يومين قيل لي إن فائق وقف أمام الطالبات ، وقد بلغ به الحماس أ شدّه ، والهتافات ذروة هياجها .. فأراد أن يجلب إليه الإنتباه بأن يهتف هتافاً وطنياً قبل قراءة القصيدة .. فصاح : " يعيش .. " وأرتج عليه القول .. يعيش .. الأعناق مشرئبة ، والعيون تتطلع إليه .. وهو لم يضع يده بعد على الذي يعيش ! .. وفجأة صرخ : يعيش الإستعمار البريطاني يا ..!!" .

للقاريْ أن يتصور ماذا كانت النتيجة ! .. وفائق لم يعد إلي مرة أخرى لنقل قصيدة يقرأها أمام الطالبات !. ~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

* جريدة ( الوطن ) كانت لسان حال ( حزب الشعب) الذي أ سسه ، ورأ سه الأستاذ عزيز شريف ـ رحمه الله * هذه القصائد جميعها ضاعت .. وإنما أدوّن هنا ما علق منها بالذاكرة .

 * * *

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

من جيل واحد

 *

لكي أكون أميناً مع نفسي .. أميناً مع التاريخ ..أ سجل هذه الحلقة من ذكرياتي وفاءً لجيل مدرسي كنت واحداً من أبنائه .

عام 45 /1946 ، كنت طالباً في الصف الرابع الأدبي ( ب ) في الإعدادية المركزية ببغداد .. ولم أكن شديد الوضوح في صفي . كان معي طلاب أعجب كيف لم تصعد بهم موجة الحياة لكي يكونوا في ذروتها .

كان بيننا طالب اسمه عبد المطلب صالح *.. وكان يقرأ في الصف التقارير التي يكلّف بكتابتها ، سواء في الأدب أ و التاريخ ، فيقول :" قال الطبري ، وقال ابن خلدون ، وقال فلان .. وردّ عبد المطلب صالح ..! " هكذا..

وكان بيننا طالب آخر ا سمه مهدي الريحاني . مهدي هذا كان مشروع شاعر نادر .. ولكنه لم يصِره ! .

أذكر أننا كان يدرسنا مادة الإجتماع أ ستاذ شديد الأناقة .. شديد العناية بانتقاء الكلمات ، بالإضافة إلى وعيه الواضح ، ا سمه – إن لم تخني الذاكرة - حسن طه النجم . كان الأستاذ حسن يكثر من ا ستخدام كلمات بعينها خلال شرحه مادة الدرس : .. " لحدٍّ ما " .. " إلى حدٍّ بعيد " .. " على طول الخط " .. " ما في شك " .. "نقيض هذا " .

صرنا ، كلما دخلنا محاضرة الأستاذ النجم ، وضع كل منا أمامه ورقة ، سجّل في أعلاها جميع تلك المفردات وبدأ يضع خطّـاً تحت كل مفردة يكررها المدرس ، تماماً مثلما تحسب نقاط كرة الطائرة ! . وفي نهاية الدرس ، بين الهرج والمرج ، نعلن نتائج المفردة الفائزة في ذلك الدرس !.

وامتحننا الأستاذ النجم أول امتحان شهري ، فرسبنا جميعاً ! . في الدرس التالي ، دخل الأستاذ حسن طه النجم إلى الصف الرابع الأدبي ( ب ) فقرأ على سبورة الصف :

 " على طولِ الخطوطِ " نراكَ تمشي

 

 تُسَـقِّطُنا " إلى حـدٍّ بعيدِ "

"وما في شَكْ " أنـّا قد ظُلِمنـا

 " لِحدٍّ ما " فصَلِّحْ من جديدِ !

وأدرك المدرس اللعبة . وبين غاضب وضاحك ، تساءل عن صاحب هذين البيتين ..وكعادة ذلك الصف العجيب ، سكتنا جميعاً .. وجميعنا نعرف أن مهدي الريحاني هو صاحبهما . بعد أيام صار البيتان قصيدة ، أذكر منها :

وأ وجَدتَ الجديد " نقيض هذا "

 فيا بشرى بمولودٍ جديدِ !

 * * *

منذ ذلك اليوم صار الأستاذ حسن طه النجم صديقاً للصف بجميع طلابه .. أحبنا ، وأحببناه .. وسعينا لمرضاته كما لم نسعَ إلى أي مدرس آخر ! .

 

في الصف الرابع الأدبي ( آ ) من الإعدادية المركزية ، في العام نفسه ، كان نجمان لامعان : رشيد ياسين ، ونشرته المدرسية التي كان يكتب كل موادها ، ويصممها، ويخطها ، ويرسمها جميعاً بنفسه ! . ونزار الملائكة * الذي كان يؤمن أن من لا يتعلم لغة جديدة كل سنتين إنسان أمّي ..! .

 

هذا جيلي .. وأ شهد أنه كان بين طلابه في جميع المجالات ، من يملكون قدرات ا ستثنائية كنت أبدو إزاءها فقيراً بالغ الفقر ! .

 

الآن صرت أؤمن أن المصادفات ، والظروف ، قد تساعد إنساناًما – مع موهبته بالتأكيد – على أن يظهر .. وقد تحرم إنساناً آخر– رغم موهبته – من فرصة الظهور ! وإلا فكيف أفسر أن لا يصبح رشيد ياسين واحداً من ألمع شعراء العربية ، وأن لا يصبح عبد المطلب صالح ، وسليم غاوي عبدالجبار ، من ألمع نقادها ؟! .

 

 ~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

 

 * الأستاذ عبد المطلب صالح – رحمه الله – كان واحداً من أرصن باحثينا في الأدب ،والنقد الأدبي.. ولكنه ، حتى توفاه الله قبل عامين ، لم يأخذ ما يستحقه من حضور في مجال الأدب .

 

· نزار الملائكة ، هو أخو الشاعرة الكبيرة نازك الملائكة .. وواحد من أبرز علماء العالم الآن في اللغات .

 

 

 

. . في دار المعلمين العالية

 

 ( 1 )

 

 *

 

هذه المرحلة من حياتي هي أغنى مراحلها جميعاً .. أولاً لغنى الحياة الجامعية ، ولكثرة الجديد فيها ، وخاصة بالنسبة لأجيالنا في ذلك الزمان ! .. وثانياً ، لأنني فيها دخلت المعترك الأدبي ..وفيها ا ستويت شاعراً ..وفيها أيضاً عرفت أثرى ينابيع الشعر والحياة .. الحب ! .

 

ما أزال حتى هذه اللحظة أتذكر امتحان القبول الذي تورطت فيه ..( المقابلة ) .. والذي كان عليه ، لا على المعدل ، الإعتماد الأول في القبول.

 

دخلت غرفة إلى جانب غرفة العميد ، وكان العميد آنذاك الدكتور خالد الهاشمي . كان هناك أ ستاذ أبيض البشرة .. متوسط القامة .. وخط الشيب رأ سه بشكل واضح ، وتركت " حبة بغداد " آثاراً عميقة على وجهه . كان جالساً خلف منضدة يقابله عليها كرسي شاغر أ شار لي أن أجلس عليه ، بعد أن سلمت بكثير من التهيب .

 

تصفح ملفي ثم قال :" معدلك جيد .. لماذا دار المعلمين العالية ؟ .. ولماذا قسم اللغة العربية بالذات؟؟. " قلت بعجالة زجّـني فيها توتري الملحوظ : " لأنني أحب الأدب ، وأكتب الشعر." قال باهتمام :" أنت شاعر إذن ؟ !." .. وكمن انفتحت بوجهه باب القدر فجأة ، قلت :" نعم.. ولي قصائد منشورة !."

 

كان ممتحني هو أستاذنا الكبير الدكتور سليم النعيمي – رحمه الله - ، ولكنني لم أكن أعرفه آنذاك . قال :" حسناً .. هل تقرأ لي شيئاً من شعرك ؟ ". قلت :"نعم ! ." وقبل أن أبدأ القراءة ، ا ستمهلني لحظة ، ورفع سماعة الهاتف .. ثم سمعته يقول لمحدثه :" جاءنا إلى الكلية شاعر هذا العام ألا يعجبك أن تسمعه ؟ ." ثم أعاد سماعة الهاتف قائلاً :" إنتظر لحظة ، فسيحضر العميد ليسمعك !."

 

نعم .. يمكن أن يجتمع الزهو والخوف .. الإعتداد والقلق .. الفرح والرهبة .. يمكن أن تجتمع كلها في لحظة واحدة ! . أنا عشت هذه النقائض كلها معاً ، وأنا أنتظر دخول العميد إلى قاعة المقابلة في ذلك الصباح ليستمع إلى الشاعر الجديد القادم إلى كليته !.

 

ودخل العميد ، فوقفت .. فوضع يده على كتفي قائلاً :" إ سترح " . الله وحده يعلم ماذا حل بي في تلك اللحظة !. هذه اللمسةالإنسانية زعزعت كينونتي كلها !. كنت قد تهيأت لقراءة قصائد سياسية متفجرة ، هي كل ما أحفظه من شعري .. فأية مروءة تسمح لي بأن أرد على هذا اللطف كله ، بهذه العدائية كلها ؟!. وأنا أعلم أن جميع تلك القصائد التي سأقرؤها ، ضد السلطة ، وهي بالتالي ، إن لم تكن ضد رغبة عمادة الكلية كجزءٍ من النظام ، فهي ليست مما ترغب في سماعه .. زد على ذلك نوع الأثر الذي سأتركه على العميد ، ولجنة المقابلة .

 

للحظات فكرت أن أ قرأ قصيدة غزلية .. ولكنني ا ستسخفتها في تلك اللحظة ! . ثم رأيتني ، دون تمهيد ، أقرأ قصيدة { إلى سائلة } ، ثم ثلاث قصائد أخرى لا تقل عنها توقداً .. وخلال ذلك كان الدكتور النعيمي ينظر مبتسماً إلى العميد بين فترة وأخرى .. بينما توقفت لجنة مقابلة فرع الإجتماع ، والتي كانت معنا في الغرفة نفسها .. وجلست تستمع إلينا ! .

 

حين خرجت من الغرفة بعد انتهاء المقابلة ، لحق بي طالب فرع الإجتماع الذي كان يقابل معي في الغرفة نفسها، وا ستوقفني قائلاً :" ماذا فعلت أنت ؟؟.. أتظن ، بعد الذي قرأته ، أنك ستُقبل ؟!."

 

حين ظهرت النتائج ، كنت من أوائل المقبولين !. وتشاء الظروف أن يكون ذلك العام هو عام 47 /1948، عام الوثبة ضد معاهدة بورتسموث !. قلّ أن يعيش جيل أحداثاً كالتي عاشها جيلنا .. وأقسم أننا – على ما عانينا خلالها – كنا الأوفر حظاً بين جميع الأجيال لأننا رأينا ما لم يره جيل ! .

 

في الأيام الأولى لدخولي دار المعلمين العالية ، أخذتني لميعة من يدي قائلة :" تعال أعرفك بالشاعر بدر شاكر السياب ." .. ومن يومها بدأت علاقتي ببدر .

 

كانت لميعة في الصف الثالث قسم اللغة العربية ، وكذلك كان البياتي .. أما السياب فكان في الصف الرابع قسم اللغة الإنكليزية .. وكانت نازك الملائكة ، وسليمان العيسى قد تخرجا قبل عام واحد ، تاركين وارفاً من ظلالهما على حياة الكلية !. ويومها كان شاذل طاقة في الصف الرابع قسم اللغة العربية .

 

في أول يوم جمعة بعد تعارفنا ، أخذني بدر معه إلى مقهى حسن عجمي ، وقدمني إلى أصدقائه : رشيد ياسين ، أكرم الوتري ، بلند الحيدري ، ومحمود البريكان .. وهو اللقاء الذي تحدثت عنه خلال حديثي عن رشيد ! . بعده ، صرت واحداً من هذه المجموعة .. ألتقي بهم كل أ سبوع .. ثم صرت ألتقي ببعضهم كل يوم !.

 

قلت في إحدى حلقات { ذكريات } إنني لم أعرف كشاعر عن طريق الصحف والمجلات ، فقد كنت – وما أزال – أكسل خلق الله في المرا سلة . ياما كتبت القصيدة .. ووضعتها في ظرف ، وأثبتّ عليها العنوان .. ثم تبقى معي الأسبوع ، والأسبوعين ، حتى أزهق فأمزق الظرف ، وأضم أوراق القصيدة إلى ركام أخواتها !.

 

إنما عُرفت عن طريق التظاهرات ، والأحداث السياسية التي كان الشارع بوتقتها الملتهبة .

 

ما مرت ليلة من ليالي الوثبة ، لم أكتب فيها قصيدة . ولا مرّ نهار من نهاراتها لم يكن فيه شارع الرشيد مائجاً بالتظاهرات..وأنا ألقي قصائدي في ذلك البركان المتفجر ! وأغلقت أبواب الكلية حتى انتهاء الوثبة .. وألغيت معاهدة بورتسموث .. وعدنا إلى الدوام .. وعندما عدت ، قرأ ت ا سمي في لوحة الإعلانات مفصولاً لمدة سنة !.

 

الطريف أنني بعد التخرج ، طلبت وثيقة درجاتي معنونة إلى جامعة القاهرة ، حالماً بإكمال درا ستي بعد أن رفضت الدولة تعييني .. فزُوِّدت بالوثيقة ، مؤشراً على سنتها الأولى ( فُصل لأسباب سياسية ) .. وهكذا أغلقت في وجهي جميع أبواب الدرا سة .

 

بعد تعييني ، طالبتني الدولة بتسديد مبلغ الكفالة عن السنة الأولى التي فصلت فيها .. وعندما اعترضت بأن قراراً صدر من الدولة بإعفاء المفصولين سياسياً من دفع الكفالة ، صدر قرار من الكلية بأني ( لم أ ُفصَل ).. ولكنني اعتبرت ( را سباً بسبب الغياب ) ، لغيابي عن الدوام في أيام الوثبة ! . عندها ، قدمت إلى الكلية وثيقة الدرجات المعنونة إلى جامعة القاهرة ، طالباً تصحيحها وفق قرارها الأخير ، فأجابت الكلية : ( هذا قرار ليس له مفعول رجعي .. ويبقى القرار الأول سارياً ) !!.

 

أيها الوطن ..!.

 

 * * *

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

في دار المعلمين العالية

 ( 2 )

 *

هذه الكلية العجيبة .. أي تأثير مذهل كان لها على الحياة الثقافية في هذا البلد ؟! .. ناهيكم عن أثرها في الحياة السياسية فيه ، لاسيما في فترة الخمسينات .

مثلاً .. كان مهرجان دار المعلمين العالية الشعري السنوي ، من أهم الأحداث الأدبية في بغداد .. يحضره الشعراء والأدباء ومحبو الشعر من كل حدب وصوب ، وتثار حوله النقاشات ، وتعقد الندوات – لاسيما في المجالس الأدبية الخاصة – لأسابيع عديدة بعد المهرجان .. وتتـناول قصائده الصحافة الأدبية بالنقد والتعليق ، وبالتعقيب على حيثيات التحكيم ، واللجان المحكمة .. وياما أثارت هذه المهرجانات من مماحكات أثْرت الحركة الأدبية وأغنتها بالكثير من الأفكار والنماذج .

مهرجان دار المعلمين العالية الشعري هذا ، كان مربد العراق آنذاك .. وكانت الطريقة المتبعة في الإعداد له ، أن لجنة المهرجان – وهي لجنة تشكلها العمادة من كبارأ ساتذة قسم اللغة العربية – تحدد ، غالباً ، موضوعين للكتابة ، يترك فيهما الخيار للشاعر ..

أذكر مرة أن اللجنة اقترحت موضوعين : ( بغداد ، والسلام ) . كان ذلك عام 51 / 1952 ، وكنت وقتها في الصف المنتهي . قامت القيامة يومها .. لقد كان واضحاً أن موضوع ( السلام ) وضع مصيدة ! .

تسعة شعراء كتبوا عن بغداد ، أذكر منهم سعدي يوسف الذي قال في قصيدته :

 

لَهْفَ العبـاءةِ حين يرفعُ طَرْفَها

 في الصيفِ صدرٌ لا يردُّ الظامي !

صَفْحاً حسانَ الأعظَميّةِ لستُ مَن

 يرتـادُ في الحَرَمِ المنيعِ السـامي

لكنّ مَن يأتي الرياضَ يَوَدُّ لـو

 ناغى وداعبَ ريـشَ كلِّ حمـامِ !

 * * *

شاعر واحد بدأ بكتابة قصيدة عن السلام هو الصديق الراحل كاظم نعمة التميمي – رحمه الله - .. وحدثت الحادثة التالية :

كان الفصل شتاءً .. والليلة ممطرة.. ونحن في طريقنا إلى الباب الشرقي في تكسي نفرات ، ذاهبين إلى السينما .. كاظم نعمة التميمي ، وأنا ، وطالب صديق ا سمه ابراهيم الشبوط .. وكان معنا في المقعد الخلفي رجل صغير الجسم لم نلتفت إليه ، ولا أعرناه اهتماماً . كنا نتـناقش بانفعال حول المهرجان .. وكنت أصر على عدم المشاركة فيه موضحاً غرض الإدارة – إدارة الكلية – من توريطنا في موضوع ( السلام ) .. وأن تسعة شعراء كتبوا عن بغداد حتى لم يدعوا شيئاً من غابرها ، ولا من حاضرها ، لم يذكروه . قلت : ولهذا ، فأنا لن أ شارك .

فجأة جفلنا جميعاً على صوت الرجل الغريب وهو يسأل بشكل مفاجيء : " ألست الأستاذ عبد الرزاق عبد الواحد ؟؟ ."

وجمنا جميعاً وكأن على رؤوسنا الطير ! . كان الرجل لبقاً ، ذلك أنه – وقد أحس بماأثاره فينا من فزع – سارع إلى تقديم نفسه قائلاً :" أنا المحامي فلان الفلاني " ذهلنا جميعاً .. لقد كان واحداً من ألمع الأسماء الوطنية في العراق ! . ثم واصل حديثه قائلاً :" أ ستاذ عبدالرزاق .. أنا لم أرك من قبل ، ولكن السياب حدثني كثيراً عنك . لقد قال إنك شاعر تتـقد وطنية ، وانتماءً للإنسان .. فكيف تريد أن تتـنصل من أهم قضاياه .. السلام ؟! ."

وراح يتحدث حديثاً مسهباً عن السلام ، وضرورة مناصرته . ثم – وقد بلغنا الباب الشرقي – ختم حديثه قائلاً : " إذا كنت أنت لا تكتب عن السلام ، فمن الذي سيكتب عنه ؟! ." وعندما وضع قدمه على الأرض ، وهو يغادر السيارة قبلنا تحت وابل المطر ، التفت إلي قائلاً : " سأحضر إلى المهرجان خصيصاً لكي أ سمع قصيدتك ."

وكتبت قصيدتي { الحرب } .. وألقيتها .. وأثارت من ردود الفعل ما أثارت .. وفازت بالجائزة الأولى للمهرجان .. ولكن صديقنا المحامي لم يكن حاضراً ! .

لا أنسى تعليق أ ستاذي الكبير المرحوم الدكتور مصطفى جواد ، وهو يقدّم لمنحي الجائزة الأولى قائلاً :" الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد شاعر مجيد ، مجوّد .. وكان في غنىً عن ا ستثارة العواطف النـزقة للحصول على الجائزة الأولى ! . "

حين وقفت على المسرح قلت :" أنا أكتفي بهذه العواطف النزقة جائزة عن الجائزة ! ."

ربما كانت لعبة ذكية لعبتها في وقتها ، فقد عادت القاعة إلى الإشتعال بالتصفيق من جديد ، ولمدة طويلة ! .

أذكر أن الصديق حسين مردان – رحمه الله – خرج من القاعة محتجاً وهو يجيب أديباً سأله عن رأيه في القصيدة ، قال :" ليش همّه هذوله خلّونه نفتهم شي ؟؟!." ..وكان يعني الطلاب الذين ضجت القاعة بتصفيقهم طوال قراءة القصيدة . ثم أضاف :" شمدرينه عبد الرزاق منين لامهم؟!"

وعندي أن أبا علي كان على حق . لقد كانت القاعة متـقدة اتـقاداً سياسياً ، لا شعرياً .. وكان الطلاب يصفقون بشكل صاخب لكل مقطع ، ولكل بيت أحياناً .. مقلقين الكثير من أنساغ التواصل بين القصيدة وبين الشعراء والأدباء الحضور ! .

ذات يوم .. وكنا مجموعة من الأصدقاء في بيت واحد منا .. لفت انتباهي وجود رجل لا أعرفه بين الحاضرين .. تميز عنا بملابسه الشعبية : الد شدا شة ، والغترة ، ونعل في قدميه ، مع مظهر فلاحي واضح الخشونة .. حتى تكلم فذهلنا للباقته ، وعمق حديثه اللذين لا يتناسبان مع مظهره ! وأحس هو بدهشتـنا فقال ضاحكاً :" يبين الأخوان ما شايفين فلاح يعرف يحجي ! ." .. ثم التفت إلي قائلاً :" شلون صحة الأستاذ ؟ ." قلت :"شكراً .. جيدة والحمد لله ." قال :" أ ستاذ .. يكولون عندك كصيدة على الحرب كلّش حلوة ..تمنيت لو أ سمعها منك ، وبصوتك ، والكعدة خوش كعدة .. شتكول ؟!."

بين تأييد الآخرين وحماسهم قرأت قصيدة{ الحرب} .. بعدها بقليل التفت فلم أجد صاحبنا الفلاح ، وكأنه اختفى بسحر ساحر ! . سألت الآخرين فقالوا :" هو هكذا دائماً ." قلت :" أحسست كأني أعرفه ، فمن هو ؟" .. السؤال نفسه سأله الاخرون .. فابتسم صاحب البيت وهو يقول : " المحامي فلان الفلاني !!" .

ومرّت سنين .. والتقيت به بعد ثورة تموز 1958 ، وكان وجهاً بارزاً من وجوه الثورة .. فضحك وهو يشد على يدي قائلاً :"عرفت يومها أنك ستكون بين الموجودين ، فجئت خصيصاً لأسمع القصيدة منك أرأيت؟؟ لقد وفيت بوعدي ! ."

 

 * * *

 

 

 

 

 

 

 

 

 

في دار المعلمين العالية

 ( 3 )

 

 مع قصيدة { الحرب } مرة أخرى

 

 *

هناك قصائد تصبح – لسبب وآخر – نتوءات حادة في حياة الشاعر .. أقول " لسبب وآخر " لأن القصيدة قد تشتهر وتذيع ، وتحظى باهتمام كبير ، لا لسبب إبداعي .. وذلك تماماً ما حصل لقصيدة { الحرب } التي كانت مدار حديثي لحلقة ( ذكريات ) السابقة . صحيح أن المستوى الفني للقصيدة كان جيداً .. ولكن ، لدي العشرات من القصائد ، ولدى غيري المئات من القصائد التي تفضلها .. إلا أنها لم تحظ بما حظيت به هذه القصيدة من اهتمام ، ولا أثارت ما أثارته من ردود فعل وتعقيبات .

بدءاً .. لا أظن أن قصيدة سببت لصاحبها من المشاكل مثل ما سببته لي هذه القصيدة ! . إحدى هذه المشاكل تبدو أقرب إلى الخيال ..

كنا مجموعة من خريجي دار المعلمين العالية ، لم تحصل موافقة الجهات الأمنية على تعييننا ، فبقينا نراجع دائرة ( التحقيقات الجنائية ) * للحصول على شهادة ( حسن السلوك ) * التي لا يجوز التعيين بدونها .. وكنت كلما دخلت هذه الدائرة ، ا ستـقبلني منتسبوها بقولهم : " أهلاً بشاعر الحزب ! ."

كنت في بداية الأمر أنزعج ، وأحتج وأنا أتساءل عن معنى هذه التسمية فيتضاحكون .. ثم اعتدتها ، فلم أعد أعيرها اهتماماً ..وطالت مراجعاتنا شهوراً عديدة .

ذات يوم ا ستدعيت إلى غرفة المدير العام للتحقيقات الجنائية – بهجة العطية - . دخلت ، فأشار إلي أن أجلس .. ثم طلب إضبارتي . فجأة نبض قلبي في ركبي ! .. هذا المجهول الرهيب .. إضبارتي في الأمن ! . بين القلق والتوجس انهالت على ذهني آلاف الأخيلة ، وآلاف التوقعات .. حتى لقد كنت أحس خفقان قلبي جلياً وأنا أنتظر حتى دخل المرا سل بالأضبارة ، ففزعت وأنا أنظر إليه !. لقد كان يحمل مجلداً يضم أكثر من ألفي ورقة كتب على غلافه ( عبد الرزاق عبد الواحد ) !. وراح المدير يقلب صفحات الإضبارة وكأنه يتسلى بقلقي ! .

 حاولت عبثاً أن أبدو غير مبالٍ ، فقلت للمدير وأنا أضحك ضحكة خالية من الروح ، مشيراً إلى المجلد :" هل هذا كله صحيح ؟! ." فرفع المدير رأ سه إلي قائلاً ، وهو يبتسم ابتسامة خفيفة :" هل هذا كله كذب ؟؟!." قلت :" لا .. ولكنك لو دوّنت حتى أنفاسي جميعها على الورق منذ ولادتي إلى اليوم لما بلغت هذا الحجم ! " . قال ، وقلب الملف إلى آخره : " ما علينا من كل هذا .. لنتحدث فقط عن هذه القصيدة ." قلت :"أية قصيدة ؟ ." قال :" ستراها ، وهي بخط يدك ." ثم فتح الإضبارة على آخر صفحاتها وقال :"ها هي .. قصيدة ( الحزب ) قلت :" أنا ليس لي حزب ، ولم أكتب في حياتي حرفاً باسم حزب ." قال :" عجيب ! .. أتكذّب خط يدك ؟! ." ثم دفع الإضبارة إلي .. ونظرت .. كانت فعلاً بخط يدي .. قصيدة { الحرب } .. وتأملت مصعوقاً النقطة فوق حرف الراء .. قلت :" جناب المدير ..هذه النقطة التي فوق الراء ليست نقطة قلم ، وهي تختلف أ ساساً في اللون ." قال :" هل زوّرنا كتابتك ؟؟." قلت :" لا .. ولكن أنظر .. إنها فعلة ذبابة !.. وقفتْ تماماً فوق حرف الراء فحولت ( الحرب ) إلى ( الحزب ) ! .

وضحك بهجة العطية وهو يمعن النظر في الكلمة ، وقال :" ليس المهم الكلمة .. المهم المضمون .. نحن نناقـشك في مضمون القصيدة ." .. لكنني لاحظت بوضوح أن نبرة المدير أصبحت أقل عدوانية ، وأميل إلى الأسف !.

مررت عام 1953 بشهور عصيبة .. ففي ذلك العام فصلت من الوظيفة ، وكنت مسؤولاً عن إعالة إخوتي وأخواتي وأمي ..كانوا ستة أنفس عداي ، عليّ أن أملأ أفواهها ، وأن أكسو عريها ، وأنا مفصول من وظيفتي !. اشتغلت عامل صياغة ، ولكن الصياغة لم تسترني بسبب ملاحقة الجهات الأمنية ، واضطراري إلى التنقل المستمر .. حتى أقربائي من الصاغة قلقوا من التعامل معي بسبب ذلك .. واضطررت إلى أن ألجأ إلى أصدقائي أحياناً أستدين منهم إلى أن حدث ما يلي : زارني إلى البيت اثنان من أقربهم إلي .. قال أحدهما :" يا عبد الرزاق ، جئنا نعرض عليك عرضاً ." قلت :" ما هو ؟." قال :" كثير من أصدقائك يبحثون عن قصيدة { الحرب } ، وهي لم تنشر .. ولا يرجى لها أن تنشر . نحن مستعدون أن نشتري كل نسخة منها ، بخط يدك ، بخمسة دنانير .. ما رأيك ؟؟!."

تظل الدنيا مليئة بالخير .. مليئة بالخيرين أيها الأصدقاء الطيبون .. المتظاهرون بالحاجة إلي وهم يسدون حاجتي . يظل الإنسان كبيراً فيكم ، وكبيراً بكم!

 أكثر من خمسين نسخة من القصيدة كتبت .. شهوراً عشت وأعلت إخوتي بأثمانها .. وسأعيش العمر كله ممتلئاً بمروءتها ، مفعماً بكل معاني الإنسانية فيها !

 * * *

كنا في الأيام الأولى من دورة ضباط الإحتياط في السعدية حين جاءوا إلينا بمعتقل جديد ، أول ما دخل سأل بصوت عال : "أين عبد الرزاق عبد الواحد ؟؟." قلت :" نعم ." فشتمني دون مقدمات ! . . ثم ضحك وهو يتوجه نحوي مسلماً قال :"اقتحموا علي بيتي ، فلم يجدوا شيئاً ، ولكنهم عثروا على قصيدتك { الحرب } ، فاقتادوني إلى التوقيف ، وقدموا القصيدة مستمسكاً جرمياً ! . عبثاً حاولت أن أفهمهم المفارقة في أن أودع أنا في التوقيف لحيازتي القصيدة ، بينما صاحبها حر طليق !! .. قال : " وجاءوا بي من التوقيف إليكم هنا .. إلى دورة الإحتياط ! . "

ما أمرّها ، وما أحلاها هذه الذكريات يا دكتور فائق ألسامرائي .. أيها الصديق الكبير ! . ~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~ هوامش :

· : التحقيقات الجنائية : الإسم الذي كان يطلق على مديرية الأمن العامة في العهد الملكي .

· شهادة ( حسن السلوك ) : وثيقة كان يطالب بها كل متقدم لوظيفة أو عمل أو درا سة .. وتعني حسن السلوك السياسي !.

· الدكتور فائق السامرائي : أحد كبار المختصين الآن في العلاج بالأشعة .. ويوم فصل بسبب القصيدة كان طالباً في الصف المنتهي من كلية الطب ببغداد .

 

 * * *

 

 

 

 

 

 

 في دار المعلمين العالية

 

 ( 4 )

 

 *

كنت في الصف الثاني من دار المعلمين العالية حين توفيت المغفور لها الملكة عالية . في اليوم التالي صادفني أ ستاذي الكبير الدكتور سليم النعيمي، رحمه الله ، في ساحة الكلية .. فاستوقفني قائلاً : " إ سمع . لقد قررت الجامعة إقامة مهرجان كبير في أربعينية الملكة .. من كل كلية شاعر.وقد وقع الإختيار عليك لتمثيل دار المعلمين العالية ."

صعقت للخبر.. قلت :" دكتور . أنا لست رثّاء ملوك ، ولا أحسن الرثاء أ ساساً ." قال :" أنا أدّيت ما عليّ . أبلغتك إن كان لديك اعتراض ، فاذهـب إلى الدكتور الجواري واعرض عليه وجهة نظرك ." وكان أ ستاذنا الجواري رحمه الله ، معاوناً لعميد الكلية .. فذهبت إليه .

ألحّ الدكتور الجواري عليّ أن أكتب ، وتمسكت بموقفي الرافض ، فقال لي ، وبالحرف الواحد :" إ سمع عبد الرزاق .. أنت فصلت في العام الماضي *.. ورسوبك هذا العام يعني طردك من الكلية ! .".. ذهلت لهذه المواجهة الصريحة . قلت : هل أفهم من هذا تهديداً يا دكتور ؟ ! ." قال :" إفهم منه ما تشاء ! ."

خرجت من الدكتور الجواري وقد عقدت العزم على أن أجعلها ( عليّ وعلى أعدائي يا رب ! ) .. وهكذا بدأت بكتابة القصيدة .

بأسلوب مليء بالتحدي .. مليء بالإستفزاز .. مليء بالإتهام ، أثرت في القصيدة ـ ومنذ البيت الأول فيها ـ مقتل الملك غازي ـ رحمه الله ـ ، ورغم بعد الزمن .. ورغم أنني أضعت القصيدة ، فما يزال عدد من أبياتها عالقاً في ذاكرتي حتى اليوم :

 

 ما انفكَّ بالمرصاد نصلٌ دامي

 قلْ للجراحِ شقيتِ لن تلتامي !

 

هكذا كان مطلعها . وحين انتهيت من كتابتها سلمتها إلى الدكتور النعيمي ممثل دار المعلمين العالية في اللجنة المشرفة على الإحتفال .

وحلّ يوم المهرجان .. وكان المكان الذي اختير لإقامته قاعة الملك فيصل الثاني ـ قاعة الشعب حالياً ـ . كان معي ـ أن لم تخني الذاكرة ـ الصديقان أكرم الوتري، ورشيد ياسين .. وكنا نحاول فتح طريق في الزحام للوصول إلى القاعة . وحين تناهى إلى مسامعنا أن الدخول محدود ، أعلن أحدهما ضاحكاً : " أنا حامل القصيدة ! " والتفت إلي قائلاً :" سأبسط ذراعيّ ، وضَعْ أنت القصيدة على راحتيّ .. للأسف ـ قال مضيفاً ـ ليست لدينا وسادة حريرية نضعها عليها !!.. ثم مدّ ذراعيه ، وبسط راحتيه وهو يقول :" سأدخل بها هكذا ! . أعلن الآخر : وأنا راوية القصيدة ! .. وبين النكات والضحك دخلنا إلى القاعة .

بعد أن ا ستقر بنا المقام داخل القاعة ، علمنا بأن الملك ، والوصي ، ورئيس الوزراء ، والوزراء جميعاً سيحضرون المهرجان .

ما كدت أجلس حتى جاءني الدكتور النعيمي مسرعاً متوتراً وهو يقول : " تعال معي . إحذف جميع الأبيات المتعلقة بالملك غازي ، واكتب عوضاً عنها تعزية للملك ، فسيكون حاضراً .. هيا ، ولا تضيع الوقت ! ". قلت :" لن أحذف حرفاً .. ولن أضيف حرفاً .. والأفضل أن لا ألقي القصيدة .

تركني الدكتور النعيمي منفعلاً بعد أن قال ، كعادته .. وبلهجته المحببة حتى عند الغضب :"يطبّـك مرض ..إفعل ما تشاء !." كانت هذه اللغة الملتهبة .. المليئة بالحدب ، والرعاية ، والمسؤولية .. متميزة عند النعيمي في علاقته بطلابه دون سائر الأساتذة .

ما كاد الدكتور النعيمي يبرح ، حتى جاءني الدكتور الجواري ، والدكتور جابر عمر ـ رحمه الله ـ وكان عميد دار المعلمين العالية آنذاك .. وشجعاني على قراءة القصيدة كما هي ! .

في تلك الأثناء ، كانت تسري في القاعة همهمات ..لم تلبث أن تحولت إلى احتجاجات بأصوات مرتفعة ، كان مصدرها طلبة كلية الحقوق ، لأن شاعرهم عدنان فرهاد قد مُنع من إلقاء قصيدته لأنها تتعرض لمقتل الملك غازي.وهنا بلغ بي العزم مبلغه على إلقاء القصيدة .

بعد دقائق غصت مقاصير القاعة بالملك ، والوصي ، ونوري السعيد ، وعدد كبير من الوزراء والمسؤولين .

وجاء دوري في الإلقاء :

 

في كل يوم ٍمأتمٌ ومشـيّعٌ

 تحنو عليه نَواكسُ الأعلام ِ

وكأنـّما الأيام تبدعُ مشهداً

 عزَّت مَقاصدُهُ على الأفهام ِ

فروايةٌ كُشِفَت لنا أدوارُها

 وروايةٌ جُبِلَت على الإبهام ِ

وضحيّةٌ عُرفَت مراحلُ موتها

 وضحيةٌ مسـتورةٌ بلثـام ِ

سرّ ٌ لأمرٍ ما يُباحُ بهذه ِ

 وتُحاطُ تلك بظُلمةِ الإيهـام ِ

 * * *

كان المهرجان ينقل حياً إلى الإذاعة.. وكان جو القاعة يزداد توتراً مع كل بيت من أبيات القصيدة ، لاسيما طلبة كلية الحقوق الذين وجدوا فيها تعويضاً عن قصيدة شاعرهم، ومنفذاً للتحدي . حتى إذا بلغت قولي :

 

مازال جرحُ الأمس ينضحُ بالدما

 وخيالُ غازي ما يزال أمامي

ونَعيُّـهُ ما انفـَكَّ يملأ مسمعَ ال

 دنيا ، ويُثـقِـلُ كاهلَ الأيام ِ

ورُفاتـُهُ وكأنها قـد شُـيّعَت

 بالأمس ، لا من خمسةٍ أعوام ِ

واليوم نحملُ نعشَ عاليةٍ لـهُ

 فكأنما حُمِـلا معاً في عـام ِ!

 * * *

 بلغ هياج القاعة أ شدّه . .

الذي يعثر على القصيدة ، وهي منشورة في مجلة إتحاد النساء لتلك السنة ، يجد أنها تتصاعد حدّ الإتهام بقتل الملك غازي .

لاحظت وأنا ألقي القصيدة ، أن خليل كنة ، وزير المعارف آنذاك ، دخل إلى المقصورة الملكية وخرج منفعلاً .. وعلمت فيما بعد أن البث الإذاعي قطع عن المهرجان . وفي اليوم التالي صدرت إحدى الصحف اليومية وفيها المانشيت التالي ( إلى من يوجه هذا الملحد إصبع الإتهام؟!)

كنت مزهواً أنني قرأت قصيدتي في حضرة السلطة كلها .. وتحدّيت السلطة كلها ثأراً لنفسي من الطريقة التي عوملت بها .. ولم أدرِ أن القيامة قامت .. وأن وزير المعارف حين دخل المقصورة الملكية سمع كلاماً لا يسره .. وبسببي أنا .. وأن لجنة من أ ساتذة الجامعة برئاسته قد تشكلت لمحاكمتي .

وبينما كنت في اليوم التالي أتهادى في ساحة الكلية مثل الطاووس ، إذا بفراش العميد يدعوني إليه . دخلت على الدكتور جابر عمر ، فقال لي : " إبتعد عن الكلية والقسم الداخلي هذه الأيام .لا تقلق..ليس هناك شيء ..ولكن الأفضل أن تبتعد .

علمت فيما بعد أن الجميع تخلوا عني .. وأن اللجنة أوشكت أن تتبنى قراراً بطردي من الكلية ، لولا الإعتراض الحاد من الدكتور سليم النعيمي الذي وضع ا ستقالته مع القرار قائلاً للجنة : " إن الذي يجب أن يحاسب ليس الطالب ، بل اللجنة المشرفة على المهرجان .. فقد قدّمت لها القصيدة وقبلتها ، بل وشجعته عليها ، مع علمي بأن الطالب أ كره إكراهاً على كتابتها .. فإذا فصل ، فاقبلوا ا ستقالتي أنا من الجامعة ، لأنني ممثل الكلية في المهرجان ، ولأنني أنا الذي كلفته بالكتابة ! . "

رحمك الله أيها الإنسان الكبير ، والأستاذ الكبير ..أيها المربي الكبير ! .

أوصل لي الدكتور جابر عمر بعد أيام أن أخفي القصيدة ، فلا أبقي لها أثراً لكي لا تكون مستمسكاً ضدي . بعد وصيته بيومين جاءني الصديق عبدالحسين تويج ، وكان أميناً لمكتبة دار المعلمين العالية آنذاك ، وصديقاً عزيزاً علي.. قال : " يا عبد الرزاق . وفد مهم من اتحاد النساء ينتظرك في النادي ." وحين دخلت إلى النادي ، أدركت أهمية الوفد من النظرة الأولى ! .. وبررت للأخ عبدالحسين تويج وعده الذي قطعه للوفد بأنه سيحصل لهنّ على القصيدة ! ..ونشرت القصيدة في مجلة المرأة ، فأوشك نشرها أن يدق عنقي ، لولا أن ستر الله ! .

 

* * *

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

لكي ننصف الناس

 

 *

مراراً اصطدمت بخليل كنـّه ، ومراراً أحرجته . ما زار دار المعلمين العالية ، أو حضر مناسبة فيها ، إلا وكان بيننا موقف لا نحسد كلانا عليه ! .

أرسل الدكتور سليم النعيمي في طلبي ذات يوم ، وحين دخلت غرفته أ شار إلي أن أجلس .. وما كدت أفعل حتى قال :" بعد أيام تحل ذكرى المولد النبوي .. وقد قررت الكلية أن تقيم احتفالاً ساهراً حتى الصباح ، يحضره عدد كبير من الوزراء والمسؤولين ."

كنت أرنو إليه متوقعاً ما سيقول .. متهيئاً للإجابة .." إ سمع .. قالها بطريقته المفعمة بالمحبة.. شرف كبير لك أن تشارك في هذه المناسبة ."

قلت : " يا دكتور . في الكلية أكثر من عشرة شعراء مسلمين .. وهو عيد نبيهم .: قال ضاحكاً :" نريد أن نرى كيف يكتب شاعر صابئي عن مولد الرسول ! ." بقيت ساكتاً ، فأردف يقول :" إ سمع عبد الرزاق .. مستوى الحفل .. ومستوى الضيوف الذين سيحضرون ، لا يسمح بأن يقرأ أحد سواك .. وقد سميتك ، ووافق العميد ـ وكان العميد آنذاك الدكتور عبد الحميد كاظم ـ رحمه الله .

غادرت غرفة الدكتور النعيمي دون أن أنبس ببنت شفة . عندما بلغت باب الغرفة سمعته يقول :" سوّي قصيدة تبيـّض الوجه ، مو تسوّيهه بلون وجهك !! ." التفتّ إليه مبتسماً، بينما هو غارق في ضحكته، وقلت:" تأمر دكتور.!"

في ليلة الإحتفال ـ وكان قد أقيم في قاعة ساطع الحصري في الكليةـ حضر فعلاً إلى الحفل عدد من الوزراء ، بينهم خليل كنـّه ، وزير المعارف .

كان الجلوس في القاعة على شكل حلقات توزع عليها أ ساتذة الكلية ، بينما جلس الضيوف في حلقة العميد .. وكنت جالساً إلى جانب المرحوم الدكتور عبد الجبارعبد الله في حلقته .

افتتح الحفل بتلاوة من آي الذكر الحكيم ، ثم دعي الدكتور مصطفى جواد ـ رحمه الله ـ لإلقاء كلمته .

ساعة وربع الساعة ، استغرقت كلمة الدكتور مصطفى بحيث ضاق الحضور ذرعاً لما فيها من إعادة ، ولما في السرد التاريخي الذي أ سهب فيه من بساطة في المعلومات، ورتابة في الإلقاء .

كان الدكتور النعيمي قد أبلغ العميد أن قصيدتي فيها تعريض حادّ بالحكومة ، وأن الأفضل ألا تقرأ مع وجود كل هؤلاء الوزراء ضيوفاً على الدار .. ولكن العميد ، وقد رأى الملل والضيق يخيمان على القاعة ، وحديث السأم الذي ينذر بفشل الإحتفال قد أخذ يتصاعد من جميع جوانبها، ترك مجلسه متوجهاً إلي .. وما كاد يبلغنا حتى سلم على الدكتور عبد الجبار ـ وكان من أقرب أصدقائه إليه ـ ثم أمسك بيدي ، وجرني إليه قائلاً : " قم اقرأ قصيدتك ! .

قبل دقائق كنت أقول للدكتور عبد الجبار ـ وهو قريبي ـ إنني لن أقرأ القصيدة لما ستسببه لي من مشاكل.. وأيدني هو على ذلك .. ولكنني ، ما كاد العميد يمسك بيدي حتى طرت معه ، بينما كان الدكتور عبد الجبار يقول : " دكتور عبد الحميد .. لو أعفيت عبد الرزاق من القراءة لأنه سيتعرض بسببها إلى الأذى ." .. " لا تقلق دكتور ـ قالها العميد وهو يأخذني معه ـ لن يؤذيه أحد وأنا موجود !." أما أنا فقد طرت زهواً بمجيء العميد بنفسه ألي،ونسيت كل ما قلته لعبد الجبار .. واتجهت إلى المنصة :

 

يا ضوء ما تـَتحكـَّمُ الأوثانُ

 إلا ليُنـزَلَ فوقـَها قـرآنُ !

 

هنا ، لابد لي أن أعترف أن نوعاً من الطفولة في تصرفي يبلغ حدّ النزق ، يتلبّسني في مثل هذه المواقف ، فأزيد الطين بلّة بأن أوظف إ شارة يدي مع القصيدة إمعاناً في التشخيص ! . . وهذا ما فعلته منذ مطلع القصيدة ! .

 

شَدَّ الظلامُ على العيون ، وأرهقَ ال

 الكفرُ القلوب .. وعُذبَ الإنسانُ

وطغى القويُّ على الضعيف ، فقُطِّعَت

 جُثـَثٌ.. ولُطِّخَ بالدِّما سـلطانُ

يا ضوء فَجِّـرْ كلَّ قلبٍ شُعلـَةً

 تـَصِمُ الظلامَ ليَسـطعَ الإيمانُ !

 وتستمر القصيدة في التصاعد ، بين تصفيق الطلبة الحاد ، الذي لا أدري الآن ، أكان إعجاباً بالقصيدة ، أم تشفياً بالحكومة الموجودة في الحفل ! . أما أنا فلم أكن أبصر في تلك اللحظة إلا نفسي ، وكأنني كنت أطير بألف جناح ! :

 

أ شرقتَ في صحراء يلهثُ رملُها

 ظمأً ، فيُمطِرُها الدمُ الهـتانُ

العيشُ فيها للصّـوارم ِ والقـَنا

 والناسُ بين شفـارها ألـوانُ

فِرقاً تُـقَطّعُ بعضَها ، فلِـهذه ِ

 شرفُ الإباء ، وهذه ِالإذعانُ

حتى يبيـدَ قويـُّهم وضعيفُهم

 ويموجَ من دمِهِم بهم طوفانُ

يا ضوء لا فارقتَهم إلا وهم

 في وجهِ كلِّ مُدَمِّـرٍ بركانُ !

أ شرقتَ فانصدَعَ الهجير..وبلَّلَ ال

 رملَ النّدى..وتـلَفَّتَ الظمآنُ

حتى إذا أوحيْ إليك ، فصدَّعَ ال

 وَحيُ الضَّلالَ..ومادَت الأوثانُ

وتناثرَت نَثرَ الهشيمِ على اللظى

 نُصُبٌ يُقـَوّمُ بأسَـها مُجّّـانُ

ثاروا عليك..وكم نبيٍّ مُصلح ٍ

 صَلَبوا..وكم من مرسَلين أهانوا

هيهات..إنّ رسالةً قـد سـّيةً

 لا يسـتطيعُ نوالَهـا طغيـانُ

فلقـَد يُعَـذَّبُ مرسَلٌ ويُـهانُ

 ويموتُ ثم يشَـيَّـدُ البنيـانُ !

 * * *

يا ضوءُ كنتَ لمخلصين وكانوا

 وأنَرتَ حيثُ سرَت بكَ الركبانُ

كنتَ المؤَمِّنَ حين أ ُهرِقَت الدّما

 والوِردَ حين تَعَثـََّرَ العَطشـانُ

والآن عاد إلى النفوسِ غَليـلُها

 والضوءُ منهُ ذُبـالةٌ ودُخـانُ

فَعلى عيونِ المُبصرين غشاوَةٌ

 من يأسِهم ، فكأنـَّهم عميـانُ

 

وعلى قلوبِ المؤمنين سحابةٌ

 فكأنـَّما إيمـانُهَم بُهـتـانُ

عُدنا إلى الأوثان نسألُ عَفوَها

 فتدوسُ فوقَ رقابنا الأوثانُ

عُدنا نلمُّ فِتـاتَ ما حطَّمتَـهُ

 بدمٍ .. ونـعلَـمُ أنـَّها أدرانُ

ونُزيلُ عنها العالِقات كأنـَّها

 رِمَـمٌ تُـمَزَّقُ دونَها أكفـانُ

عِلماً بأنْ سَيُشـادُ منها سجنُنا

 ويكونُ أكفَرَها هو السـّجّانُ !

عدنا كما كنّا تُـراقُ دمـاؤنا

 لا كي يُبـِلَّ بها الظَّما ظمآنُ

لكنْ كما سفحَ الزُّجاجةَ شاربٌ

 ثَملٌ ، وكأسُ شَـرابهِ مَـلآنُ

ذَهبَ الأمان ، وزُعزِعَ الإيمانُ

 وتَحَكَّمَـت بـَرعيـَّةٍ رُعيـانُ

 

فأُهينَ تفكيرٌ .. وذَلَّ مُفَـكِّـرٌ

 واستؤجِرَتْ نُظُمٌ .. وشُدَّ لسـانُ

 

إلى آخر القصيدة التي أختتمها بهذين البيتين :

 

شَدَّ الظلام ، ولَوذَحَ الطّوفـانُ

 وتَهـَيـَّأ المسجون ، والسَّجّـانُ

يا ضوءُ ، أنّا مؤمنون بفَجرِنا

 فَخُـذ القـياد فقد طَغى الإيمانُ !

 * * *

نزلت من المنصة وسط عاصفة من التصفيق ، فنهض الدكتور عبد الحميد كاظم وا ستقبلني على سلّم المسرح مقبلاً وجهي مرتين ! .

لن أنسى صوت خليل كنه وهو يقول للعميد :" وتبوسه فوكَاهه ؟! .. يصير كلما نجيكم تخلون هذا يشتمنا ؟!."

ومرت الأعوام .. وكنا في نهاية السنة الرابعة .. قاب قوسين أو أدنى من التخرج .. وقد أعِدَّت جميع قوائم الخريجين ، حين صادفني في ساحة الكلية الدكتور سليم النعيمي ، فاستوقفني قائلاً :" مصخَّم الوجه.. عرفت أنت ما راح يعينوك لو ما عرفت ؟".قلت ، وقد أحسست كأن سكيناً غاصت في بطني :" لماذا ؟؟." قال :" الوزير وضع خطاً أحمر تحت ا سمك ، وكتب إزاءه ( لا يُعيَّن ) !" .

سأكون ملعوناً إن لم أعترف بمدى الفزع الذي أصابني ! .. خمسة إخوة ، أنا أكبرهم .. وأمي . سبعة أفواه أنا الواعد بإعالتها .. الذي ينتظرونه يوماً بعد يوم متى يتخرج .

ا ستفقت على صوت الدكتور النعيمي وهو يقول :" تعال معي الآن نزور الوزير لتعتذر منه على إ ساءاتك إليه." .. وكالمنوم مغناطيسياً مشيت معه ! .

حين جلسنا في غرفة الوزير .. وكانت بينه وبين الوزير علاقة حميمة .. قال له النعيمي : " جئت بعبد الرزاق معي ليعتذر إليك ".. فنظر خليل كنه مليّاً إلي ، وقال :"يعني الأستاذ عبد الرزاق قرر أخيراً أن يجوز من تهريجاته ؟!" . ما كان مني عند هذا إلا أن أقف ، وأزرّر سترتي قائلاً :" عفواً معالي الوزير .. لم آتِ إلى هنا لكي أهان " . ثم اتجهت نحو باب الغرفة .. وقبيل أن أبلغها كانت يد النعيمي تسحبني إليه وهو يقول :" إرجع مصخَّم الوجه .. هذا مثل أخوك الكبير " .. وأعادني إلى مكاني . نظر إلي خليل كنه طويلاً ثم قال :" حقـّه الأستاذ عبد الرزاق .. هو شاعر مرهف .. إحساسه بسرعه ينجرح . الآخرين ما عندهم إحساس .. يشتمهم حتى وهم ضيوف عنده .. ويحرّض عليهم .. ويستهزيء بهم . ما عندهم إحساس .. بس الأستاذ عبد الرزاق شاعر حساس .. ولهذا حقـّه يزعل !" .

قلّ أن شعرت بضآلة إنسانيتي قدر ما شعرت بها في تلك اللحظة .. وأحسّ الوزير بحرجي ، فخرج من خلف مكتبه وجاءني مصافحاً وهو يقول :" لا بأس يا عبد الرزاق .. عسى الأيام أن ترينا جميعاً سواء السبيل ! " . ~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~ * خليل كنه : من أقوى وزراء الحكومات السعيدية .. وكان يشغل دائماً منصب وزير المعارف ـ التربية والتعليم حالياً. * هذه القصيدة ضاعت مع الكثير من أخواتها ، وهي تتجاوز السبعين بيتاً ، أثبتُّ هنا ما أحفظه منها .

 

* *

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

في دار المعلمين العالية

 

كان لنا أساتذة

 

البصير

 ( 1 )

 *

كنا نسمع قصصاً أ شبه بالأساطير . طلبة يحفظون كتاب الأدب المقرر عن ظهر قلب ، على ضخامة الكتاب . طلبة آخرون يرسبون سنة كاملة لمجرد خطأ نحوي ، أو لغوي فاحش يخطئونه في الصف .. طلبة يغمى عليهم ، ويُنقلون إلى المستشفى بمجرد أن يوجه إليهم أ ستاذ الأدب سؤال الإمتحان الشفهي .. ولكننا كنا ـ ونحن في الصف الأول ، وبدايات الصف الثاني ـ خالي الأذهان من كل هذا القلق القادم ! .

ما بلغنا نهايات السنة الثانية ، حتى صرنا نسمع بوضوح ، تندّر طلبة الصفوف المتقدمة علينا .. ووعيدهم الذي كان يبلغنا عبر نكاتهم ، وعبر نماذج من طرائفهم ، مثل موجة من الإرهاب الموجَّه!. كانوا يقولون : انتظروا . السنة القادمة ليست بعيدة . بعد شهور قليلة ، ويشوي البصير البصل على آذانكم ! .

كنت بين الحين والحين أصادفه نازلاً من سيارته بصحبة زوجته مدام البصير .. أو وهو يتأبط ذراع سكرتيره ( محمود ) داخلاً إلى مبنى الكلية .. تسبقه ، وتحيط به الكثير من التعليقات .. وتتبعه الكثير من العيون !

هذا إذن هو شاعر ثورة العشرين ، الدكتور محمد مهدي البصير .. أ ستاذ الأدب العباسي في الصفين الثالث والرابع بدار المعلمين العالية .

قصيرالقامة..عريض الصدر..عريض الوجه والفك .. كبير الرأ س..تملأ وجهه آثار الجدري ، وتغطي عينيه نظارة سوداء..ما يستقر على كرسيه فوق منصة الدرس ، حتى يخلعها بيد ، ويخرج باليد الأخرى منديلاً أبيض ، يمسح به وجهه بأناة ، ثم يعيد النظارة فوق عينيه ، ويلتفت ألى اليسار حيث يجلس سكرتيره ، قائلاً ـ مع مدّ حرف الواو :

ـ محمود .. من محدثنا اليوم ؟

ـ خليل العقرب دكتور .

ـ وموضوعه عن ابن الرومي ؟؟*

ـ نعم دكتور .

فيلتفت إلى حيث يتوقع أن يكون الطالب خليل العقرب جالساً :

ـ طيّب يا خليل يا خوي..دونَكَ ابن الرومي فالدَغه ُ!

وينفجر الصف ضاحكاً ، ولكن .. بتهيّب كبير . وعندما ينتهي البصير من ضحكته ، فعلى الصف أن يكون هو أيضاً قد انتهى من الضحك ! .

 * * *

لم أ شهد في حياتي أ ستاذاً له هيبة البصير ، وحضوره الطاغي في صفه . كان كثير من الطلاب يعللون ذلك بصرامته في مادة الدرس ، ومحاسبته الشديدة على كل هفوة فيها .. وما قيل من أن الطالب قد يرسب سنة كاملة لخطأة في اللغة أو القواعد ، شهدته أنا بنفسي .. ولكن ، أية خطأة ؟ ! :

كان معنا زميل في الصف ا سمه كمال .. وكان لدينا امتحان شفهي .. ووقف كمال متحدثاً عن المتنبي .

هنا تكمن المشكلة كلها.البصير شاعر وأديب ، وأ ستاذ كبير للأدب .. وعنده أن الذين يبلغون السنة الثالثة ، أو المنتهية من التأهيل لتدريس اللغة العربية في المدارس الثانوية ، لا يجوز لهم أن يخطئوا أخطاء فاحشة في اللغة والنحو..بل هو يفترض أكثر من ذلك ، أن طلاب هذا القسم لابد أن يكونوا متمكنين من لغتهم وأ ساليب الكتابة فيها بحيث يعبرون عن أفكارهم بلغة سليمة في الأقل ، إن لم تكن بليغة .

الذي كان يحصل أن طلاب قسم اللغة العربية ـ في غالبيتهم ـ لم يكونوا كذلك . لذا ، وخوفاً من الرسوب في درس الدكتور البصير ، كانوا يحفظون كتابه المقرر ( في الأدب العباسي) عن ظهر قلب ، من الغلاف إلى الغلاف !.

قد لا يصدق أحد هذا ..ولكن كل من درّسه البصير يعرفه حق المعرفة ! . إقرأ جملة من جمل الكتاب على أي طالب من الطلاب ..يصفن قليلاً ، ثم يقول لك :" الصفحة 177 .. السطر التاسع .. بعدها ثلاث نقاط ، ثم شارحة . إنزل إلى الأسفل .. ويقرأ لك الشارحة !! " .

هذا الصنف من الطلاب ، وقد أصبحوا ـ بسبب الخوف والعدوى ـ الغالبية العظمى .. كان البصير يتعامل معهم بهذه الصرامة ، لأنه لا يجد فيهم مادة المدرس الحقيقي للغة العربية .. فإذا جاء دور أحدهم في الحديث ، كان البصير ـ بعد أن يوجه سؤاله للطالندماندماب ـ يلتفت إلى سكرتيره محمود قائلاً :

ـ محمود .. حط الإكَنه !! .*

 فإذا أراد من الطالب أن يكف عن الكلام ، لا يخاطبه بل يلتفت إلى محمود قائلاً :

ـ محمود .. شيل الأكَنه !! ."

 فيسكت الطالب ! . ومع هذا ، ما كانت درجات هؤلاء تتجاوز درجة النجاح إلا قليلاً ! .

أعود إلى زميلنا كمال الذي وقف يتحدث عن المتنبي وكان يرتجف من هامته إلى أخمص قدميه .. ولفرط ارتباكه قال ، قال خلال حديثه :

ـ "دكتور .. وليس كان المتنبي ..."

ـ أضبط ! ..

 قاطعه بها البصير بشكل أفزعنا نحن الذين اختنقنا بضحكنا دون صوت .

كمال بقي ساكناً وكأن على رأ سه الطير .. فقال البصير :

ـ " كمال يا خوي .. أظنك أردت أن تقول : ولم كان المتنبي !! " .

 كمال ، بكل جزعه وارتباكه قال :

ـ " نعم دكتور .. ولم كان المتنبي ! . "

 وهنا انفجر الصف كله ضاحكاً مع البصير بأعلى صوته ..

ـ وتريد أن تكون مدرساً للغة العربية ؟؟! ..لا يا خوي .. مو شي .. مو شي !!.

كنا في بداية السنة الدرا سية .. ورسب كمال في درس الأدب ذلك العام ! .

 ترى هل كان ذلك ذنب الأستاذ ، أم ذنب الطالب ، ومستوى القبول ؟ .. وهل أضرت هذه الطريقة أم أفادت في خلق أجيال من المدرسين ، أضعفهم مستوى كان من خيرة من تولوا تدريس اللغة العربية ؟؟

كان معنا طالب ا سمه مجيد..من أصحاب ( الأكَنة )! سأله البصير يوماً أن يتحدث عن الجاحظ .. فأعاد الأسطوانة ، وشفتاه .. ووردتا أنفه ، ترتجف كلها .

ـ مجيد افندي .. إقرأ لنا شيئاً من نتاج الرجل . وكان للجاحظ في منهجنا أبيات شعر ، وعدد من النماذج النثرية . قال مجيد :

ـ دكتور .. سأقرأ من شعره .

ـ طيب .

قرأ مجيد صدر البيت الأول ، ثم توقف .. لقد نسي الباقي لفرط ارتباكه . بعد سكوت قصير قال :

ـ دكتور .. سأقرأ من نثره .

ـ لا بأس .

ولكن مجيد ، وقبل أن يقرأ النثر ، تذكر تكملة الأبيات الشعرية ، فشرع يقرؤها ! .

كان الصف كله متوتراً تختنق حناجر طلابه بضحكاتهم تشفياً بمجيد لفرط ما كان ينكل بالطلاب في مثل هذه المواقف ! .. فما كاد يتحول هذا التحول المفاجيء ، حتى قاطعه البصير قائلاً :

ـ مجيد افندي .. هذا نثر مشعور ، لو شعر منثور ؟! وهنا طار الشعر والنثر معاً من دماغ مجيد ! . قال البصير:

ـ لا بأس .. إقرأ .

ولكن مجيد لم يقرأ .. لقد كان شاحباً ، وشفتاه تتحركان دون صوت ! . وهنا قال له البصير :

ـ يا مجيد يا خوي .. صَيدتـنا جرادة .. وتطير ؟؟!.

منذ ذلك اليوم ، وحتى توفي مجيد ـ رحمه الله ـ ظل أصدقاء صفه يسمونه " مجيد جرادة " ! . ~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~ هوامش :

* كان الدكتور البصير يضيق ذرعاً بابن الرومي ، ويكره فيه إطنابه وتفصيله ، وحذلقته في التعليل .. معتبراً أن هذه الصفات ليست من خلق العرب .

* الأكَنة : حاملة الإبرة في الحاكي .. مشيراً إلى أن ذلك الطالب أ سطوانة ! .

 

 * * *

 

 

 

 

 

 

 

 البصير

 ( 2 )

 *

كان مرحاً دون أن يخل مرحه قيد شعرة بهيبته . وكان جاداً دون أن تبعث جديته السأم في طلابه . أبرز ما فيه إحاطته بمادته ، وتمكنه منها . كان حفاظة من نوع نادر .. ولديه ذاكرة عجيبة .

يوماً ما ، كان لدى أحد الطلاب تقرير عن شاعر مغمور ، أقل شعره في الرثاء . وبينما كان الطالب يقرأ تقريره ، إذا به يقول : " أما في الرثاء فلم أعثر له ، في جميع ما وقعت عليه يدي من المراجع ، إلا على هذه الأبيات ." وقرأ مقطوعة صغيرة في رثاء أحد الناس .. وإذا بالبصير يقاطعه قائلاً :"ظلمت الرجل يا أخي !. إ سمع ، سأقرأ لك أنا من رثائه . من قصيدة رثى بها فلاناً الفلاني .. وقرأ عدة أبيات . ومن قصيدة أخرى في رثاء .. وقرأ عدة أبيات . ومن ثالثة .. وقرأ عدة أبيات ! .

بقي الصف مشدوهاً .. هذا وهو شاعر مغمور .. وأقل شعره في الرثاء ! .

عندما انتهى الدرس ، دنوت إليه .. وتجرأت فسألته : " دكتور .. كم تقدر محفوظك من الشعر العربي ؟ . " فضحك ـ رحمه الله ـ وهو يقول : " كثير يا عبد الرزاق .. كثير ! . "

كانت تربطني به صداقة حميمة .. وكثيراً ما كنت أزوره في بيته ، ونقضي الأماسي في حديث الشعر والأدب بينما تقوم ابنته مي على خدمتنا ، وكانت طفلة صغيرة آنذاك .

كان دائماً يسألني أن أقرأ له آخر ما كتبت .. حتى في امتحاناتي الشفهية . لم يكن يسألني عن شاعر، أو عن أديب .. بل كان يقول :" يا عبد الرزاق يا خوي .. إقرأ لنا آخر ما كتبت ." ، وبعد أن أنهي قراءتي ، يلتفت إلى محمود قائلاً :" محمود .. شوف شغلك ! . " .. فيضع لي محمود 100/100 ، وقريباً من هذا المعدل كان معدل الطالب الشاعر صالح جواد الطعمة .

يوماً ما قرأت له إحدى قصائدي ـ وهي من القصائد الضائعات ـ . كنت في حينها طالباً في الصف الثالث .. وكان مطلع القصيدة :

 

 أتـشقى إذا اغترُّوا ، وتـشقى إذا هانوا ؟

 

 كذا الناسُ ، فيمَ اللوم ، إنكَ إنسانُ !

 

وحين وصلت إلى قولي :

 

 وضَحَّيتَ قـُربانـَين يا صاحبَ التـقى

 

 هنـاؤكَ قربانٌ ، وقلبـُكَ قربـانُ

 

 فلاحَ عليـكَ النـقصُ في كلِّ لـَفتة ٍ

 

 ولم يـَبدُ عندَ الناس للناس ِنقصانُ !

 

ضرب البصير المنضدة التي أمامه براحتيه هاتفاً : بُعث المتنبي !! .

لن أنسى مبلغ الزهو ، والإضطراب الذي انتابني لحظتها ! .

ومرضت يوماً فدخلت المستشفى . كنا في وقتها في أواخر السنة الثالثة .. فاتصل بي البصير هاتفياً إلى المستشفى مستفسراً عن صحتي ، فقرأت له القصيدة التالية، وكنت كتبتها وأنا في سرير المرض :

 

شبابُكَ سوف يَعصرُه ُالذبولُ

 وشِعرُكَ قد يحولُ كما تحولُ

فإنْ يَكُ شَعَّ في عينيكَ ضوءٌ

 فقد يأتي عليه غـَداً أفـولُ

وأنتَ على الشبابِ تنوحُ يأساً

 فمَن يدري غداً ماذا تـقولُ !

تحدِّ قُ في الوجوه ِكأنَّ سـرّاً

 تحاولـُه ُ، فـيُغرقكَ الذهولُ

على شفتيكَ يرجفُ صوتُ ناع ٍ

 وفي عينيكَ فاجعـة ٌ تجـولُ

فإنْ تكُ عشتَ في حُلـُم ٍجميل ٍ

 يلـَوِّنُ ليلـَه ُضـوءٌ ضَئيـلُ

فإنكَ قد صَحَوتَ ، فماتَ ضَوءٌ

 حبيبٌ ، وانطوى حُلـُمٌ جميـلُ !

 

فهون البصير علي الأمر ، وشجعني ، وتمنى لي الشفاء العاجل .

بعد قرابة خمسة أ شهر ، وكنا في بدايات السنة الرابعة..وكنت معه في حديقة بيته..وكانت" مي "، كعادتها ، تقوم على خدمتنا ، حين سألني أن أقرأ له آخر ما كتبت .. فقرأت له قصيدة فيها كثير من الفرح والتفاؤل . ضحك البصير ـ رحمه الله ـ وقال : " أرأيت ؟ .. وكأنك لست القائل .."

أعلم أن ما سأقوله لا يصدق بسهولة .. ولكن ، هذا ما حصل بالضبط : لقد قرأ علي البصير خمسة أبيات من قصيدة المستشفى ، وهي سبعة أبيات..وأنا لم أنشرها.. وهو لم يسمعها إلا مرة واحدة في الهاتف قبل خمسة أ شهر !! .

قمت إليه فقبلت وجهه .. وتمنيت لحظتها لو أقبل يده .. ولكنني لم أفعل حرصاً على كبريائه هو !! .

سريع البديهة بشكل يذهل محدثه .. ويأتي تعقيبه نابتاً في مكانه ، وكأنه لم يقله إلا بعد تفكير عميق ! .

أذكر أنني ، عندما صدرت كرا ستي الشعرية الأولى { لعنة الشيطان } ، وكنت في الصف الرابع ، كتبت على واحدة من أوائل نسخها إهداءً عزيزاً إلى الدكتور البصير ، ووقفت أنتظره في الممر وهو قادم إلى الصف .. وحين بلغني قاطعته وأنا أمد يدي بالكراس إليه قائلاً : " دكتور .. إ سمح لي أن أهديك " لعنة الشيطان " . فانفجر ضاحكاً وهو يتناول الكتاب من يدي قائلاً : " مع مغفرة الرحمن يا خوي .. مع مغفرة الرحمن !! .".. لحظتها ، تمنيت لو انشقت الأرض وابتلعتني !! .

مرتين زعل مني البصير .. مرة كان سببها صديقي الشاعر رشيد ياسين :

كان لديّ تقرير عن قصيدة لأحد شعراء الأندلس ممن كان البصير يحبهم ، ويعجب بهم .. وكان علي أن أقرأ تقريري أمامه غداً . ليلتها ، كان لدينا ـ أنا ورشيد ـ مسألة علي أن أنجزها له ، لا أتذكر الآن ماذا كانت .. ولكنه أصر على أن أنجزها الليلة ،متبرعاً هوـ بالمقابل ـ أن ينتب لي تقرير القصيدة ! .. ومن أين لي أن أعترض أمام زهو رشيد بأسلوبه النقدي ؟! . وتأخر بنا الليل ، فما ا ستطعت ـ وأنا أغادر لأدرك القسم الداخلي قبل إغلاق الأبواب ـ أن أقرأ ما كتب رشيد . حملت الأوراق وعدت إلى القسم الداخلي ، وما كدت أدخل حتى أطفئت الأنوار ، وأخلدت الردهة إلى النوم .

في اليوم التالي قرأت الأوراق على عجل ، فذعرت مما فعل رشيد .. ولكن لم يكن في اليد من حيلة .. لابد من قراءة التقرير ، فالبصير لا يقبل عذراً كائناً ما كان ! .

وبدأت القراءة .للمرة الأولى أرتبك أمام هذا الرجل.. كنت أعلم أن هذا الكلام لا يعجبه .. وأنه يظن بي غير هذا الظن !. حتى إذا وصلت إلى بيت في التشبيه .. وكان جميلاً في الحقيقة ، ولكن روح المشاكسة والسخرية عند رشيد لا تعرف حداً تقف عنده .. إذا به يعلق عليه بقوله :" إنه تشبيه سمج .. وعلاقة الشبه فيه فاسدة .. تماماً كما يشبه الإنسان شفاه حبيبته بصحن من الكباب ، لأنه يشتهيها !!" . إلى هذا الحد ، خرج البصير عن صمته قائلاً :" لا يا خوي .. لا .. مو شي .. مو شي ." ثم التفت إلى محمود قائلاً : " من محدثنا بعد عبد الرزاق ؟! ." ففهمت أن علي أن أقطع القراءة ! .

لم يحسن وضعي مع البصير إلا ذهابي إليه ، واعترافي بالقصة كما حدثت ! . بقي البصير مطرقاً ، وأنا صامت في انتظار عفوه .. وإذا به يقول :" طلع العذر أصعب من الفعل يا خوي ! ." أقسم أن دموعي انحدرت ، غير أن البصير لم يرها .. ووقفت مستأذناً للإنصراف ، وكنا في بيته .. فقال :" لا يا خوي .. نتغدى معاً .. لقد قبلت عذرك ، وسامح الله صاحبك هذا ! ".

 

 

 

 

 البصير

 

 ( 3 )

 

 *

 كنت أ شرت إلى أن البصير زعل مني مرتين .. ذكرت إحداهما في حديثي السابق ، وهذه هي الثانية :

 كان لدينا امتحان فصلي تحريري في الأدب .. وهو امتحان مهم ، درجته تعادل درجة نصف السنة .. وكنت تخاصمت في ذلك اليوم مع التي كتبت لها كل شعري في دارالمعلمين العالية..فما دخلت إلى الصف ـ ورحلتي بجوار النافذة المطلة على حديقة الكلية ـ حتى رأيتها متكئة على شجرة قبالتي وهي تبكي ! . لم أستطع الإحتمال ، فتركت الصف قبل قراءة أسئلة الإمتحان . قيل لي في اليوم التالي أن السكرتير أخبر البصير بخروجي على تلك الشاكلة .. وهي عند البصير مسألة ما بعدها مسألة ! .

 كنا قريبين من الإمتحان النهائي حين قال لي أحد الزملاء أنه لمح سجل الدرجات عند السكرتير ، وإزاء اسمي : صفر في الفصل الثاني .

 شلّ تفكيري تماماً . كان الوقت ظهراً . تركت القسم الداخلي ، وركبت الحافلة متوجهاً إلى بيت البصير دون استئذان . لقد خشيت ، إن أنا استأذنته ، أن يرفض مقابلتي . في الطريق نظمت أربعة أبيات اعتذار وقلبي يتقطع ! . قرعت جرس الباب .. فتحته ابنته ميّ ، وعادت راكضة لتخبره بقدومي .. بعد لحظات كان البصير أمامي ماداً يده وهو يردد : هلا يخوي .. هلا يخوي .. وما إن وضعت يدي في يده حتى قرأت له الأبيات الأربعة التي ما أزال أذكر آخر بيت منها :

 إذا لم ألقَ مِن شعري شفيعاً

 لدَيكَ فأين يَشفعُ لي بَياني ؟!

فضمني إليه وهو يقول : ونعمَ الشفيع يخوي .. ونعم الشفيع .. تعال يا عبدالرزاق .. ثم سحبني من يدي .

 دخلت ، فوجدت محمود ـ سكرتيره ـ في صالة البيت .. وكان وهو يقودني إلى الداخل يردد : ونعمَ الشفيع . سر قدماً إلى المائدة يا عبدالرزاق ، فنحن نتناول طعام الغداء . حاولت أن أعتذر دون جدوى .. أجليني إلى جانبه ، ثم التفت إلى محمود قائلاً : محمود .. لكي يأكل عبدالرزاق هنيئاً ، فدرجته في الفصل الثاني كما عودناه .. زين يا خوي يا عبدالرزاق ؟ ! .. ثم قرأ مع نفسه :

 إذا لم ألقَ من شعري شفيعاً

 لديكَ فأينَ يشفعُ لي بياني ؟!

والتفت إلى محمود قائلاً : وفي الإمتحان النهائي ، درجته كما هي . هل أنصفناك يا عبدالرزاق ؟! .

 قولوا لي ، كيف يبني الأستاذ تلميذه أدبياً إن لم يكن هكذا ؟! . وأية مروءة هذه ، وأي كبر نفس هذا ؟! . أنا أعتد أنني كنت واحدا ً من خيرة مدرسي اللغة العربية .. وأعتد أن البصير شخص فيّ هذا فأغناه .. ولولا مثل هذه الرعاية لما كنت ما أنا عليه الآن في أغلب الظن .

 مرة أحس البصير ، أو ربما خمّن ما يمكن أن يدور بين زملائي الطلاب بشأن درجتي ، وطريقته في امتحاني ، وكنت قد انتهيت من قراءة قصيدة لي تأثر بها كثيراً ، فوجه كلامه للصف قائلاً : هل بينكم من يلومني على إعطائه درجة كاملة ؟؟ .. بعد سنوات ، سيدرسه أولادكم كما تدرسون أنتم الآن هؤلاء الشعراء ! .

 يوماً ما ، حصل بيني وبين ملهمتي زعل استمر أكثر من أسبوعين .. وصار حديث دار المعلمين العالية بأسرها .. وشماتة زميلاتها وزملائها في الصف! .. وكانت هي ـ كما أشرت في حديث سابق ـ في صف صديقي الشاعر الراحل كاظم نعمة التميمي ـ رحمه الله ـ . في تلك الأيام كتبت قصيدة شديدة القسوة تبدأ هكذا :

 كرهتـُكِ ، ليتَ البُعدَ عنكِ يطولُ

 وليتـَكِ لا يُرجى إليكِ سبيلُ

 وقد كان يُبكيني هَواكِ فأصبَحَتْ

 دموعي على ذكرى هواكِ تسيلُ

وصادف أن كلف الدكتور البصير صديقي كاظم التميمي بكتابة تقرير عن لامية المتنبي : لياليّ بعد الظاعنين شكولُ .. كنت في صفي حين قرع أحد طلاب الصف الثالث الباب قائلاً : دكتور .. الدكتور البصير يريد الطالب عبدالرزاق عبدالواحد الآن .

 نزل عليّ الطلب نزول الصاعقة . كيف أدخل إلى صفها ؟ .. وماذا أقول لعيون الطلاب المتفحصة .

 حالما دخلت الصف ، ورأيت كاظم في مواجهة الطلاب ، أحسست بالكارثة ! . تحاشيت النظر إلى الوجوه ، وتقدمت بخطى متعثرة إلى البصير ، وسلمت عليه . قال ، بعد أن رحب بي ، وأمر لي بكرسي إلى جوار كاظم :

 يا عبدالرزاق يا خوي .. زميلك التميمي ، في تقريره عن

" لامية " المتنبي " لياليَّ " ، تطرق إلى لامية على رويها ، قال بأنها لشاعر معاصر .. وحزرت من أسلوبها بأنك أنت شاعرها ، فأحببت أن أسمعها من فمك .

 كنت حتى تلك اللحظة مطرقاً .. ورفعت رأسي مستعرضاً وجوه الطلاب ، ونظرات الترقب والشماتة في بعض العيون . لقد كانت أجمل طالباتهم .. وفي صفها مجموعة من الشعراء كلهم أحبوها ، وكتبوا فيها الكثير ، حتى صار موضوعها في الكلية أقرب إلى الخيال . أحدهم ، وهو شاعر جيد ، وصار في زمن ما شخصية مرموقة ، أصيب بالسل .. وكان يقول لها في قصائده إنها هي سبب علته . صديقاتها اللائي كنّ ، على تزلفهن إليها ، يغرن منها غيرة كثيراً م حدثتني عنها . كل هؤلاء كانوا عيوناً تحدق في وجهي .. فكيف سأقول لها :

 كرهتكِ ليت البعد عنكِ يطولُ

 وليتكِ لا يُرجى إليكِ سبيلُ

ويبدو أنني أبطأت على البصير وأنا أجول بعينيّ بين الطلاب ، فقال : أين أنت يا عبدالرزاق ؟؟ . هنا التفتُّ دفعة واحدة وأثبتُّ عينيَّ في عينيها . كانت جالسة في الخط الثاني ، وكان وجهها بلون القرمز .. لحظة التقت عيوننا .. من يصدق أن الدمع يمكن أن يثب من العين دون أن يسيل على الخد ؟!.. لقد رأيت بعينيّ دموعها تثب من عينيها وتتناثر على الدفتر أمامها .. هكذا ! .

 أحبكِ ..

كادت عيون الصف كلها تثب من محاجرها .. وسمعت صوتاً يقول : كرهتكِ .. فقلت :

 أحبكِ .. ليت البعدَ عنكِ يزولُ

 تمنيتُ لو يُرجى إليكِ سبيلُ

لحظة قلتُ البيت ، ضرب البصيرُ المنضدة بكلتا يديه هاتفاً : كفى . أنت أ شعر من رأيت ! . أما أنا فقد خرجت لا ألوي على شيء ! .

 سنوات عديدة مرت على تخرجنا ، كنت خلالها أزور البصير بين الفينة والأخرى . ذات يوم حملت معي مسجلاً وعدداً من الأشرطة ، واستأذنته في لقاء أسجله معه . تحدثنا أكثر من ساعتين .. وحملت الشريط بفرح غامر لأهمية اللقاء . من أين لي أن أعلم أننا يومها كنا على موعد مع القدر .. فبعد أربعة أيام توفي البصير ـ رحمه الله ـ . حملت الشريط وذهبت إلى المؤسسة العامة للإذاعة والتلفزيون .. وحين قدمته للأستاذ محمد سعيد الصحاف ، مديرها العام آنذاك .. سرت بيننا ، وهو يتناول الشريط من يدي ، دمعة صامتة .. كان البصير أستاذي .. وكان ابن بلدته ..! .

 

 *******

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 الدكتور سليم النعيمي

 

 *

 أول أستاذ وقعت عيني عليه في دار المعلمين العالية ، فقد كان هو رئيس لجنة المقابلة أيام امتحانات القبول .. وآخر من وقعت عبني عليه من الأساتذة .. كان ذلك في احتفال حضره قبيل وفاته بأيام .. وعندما كان يغادر القاعة يرافقه الأستاذ طارق عزيز ، مر بجانبي فوقفت إجلالاً له .. تصورت أنه لن ينتبه إلي لفرط ما كان بادي الإعياء ، ولكنه توقف حين بلغني ، ثم نظر إلي بكل عمر السنين التي مضت ! .. وقال : شلونك أنت ؟؟ . كدت أنحني لأضع شفتي على يده وأنا أصافحها .. ولكنه احتواني بيده الأخرى ، فقبلته في وجهه . إلتفت إلى الأستاذ طارق قائلاً : عبدالرزاق خوش عبدالرزاق .. ديروا بالكم عليه ! . ولم أره بعد ذلك ! .

 ما رأيت طلاب صف أحبوا أستاذاً من أساتذتهم قدر ما أحببنا سليم النعيمي ، رغم اختلاف الآراء في سبب هذا الحب : فمن قائل لعدم تشدده في مادة الدرس .. ومن قائل لظرفه ودماثة خلقه ، ورفعه الكلفة بينه وبين تلامذته .. ومن راءٍ أن حنوّه على طلابه ، وإحساسه بانتمائهم إليه حد منحهم حمايته هو السبب الرئيس في هذه المودة العميقة بينه وبينهم . المهم أن النعيمي كان من أقرب أساتذتنا إلينا رغم أن أحداً منا لم يسلم من لسانه ! .

 أذكر أنني كنت معاوناً لعميد معهد الفنون الجميلة في أواخر الخمسينات ، وزرت دار المعلمين العالية لأستعير كتاباً من مكتبتها . كنت في مدخل المكتبة حين صادفته .. وبكل محبة طلاب دورتي له سلمت عليه ، فقال بعد أن رد علي سلامي ـ وكان حولنا عدد غير قليل من الطلاب ـ : مو هذا مكان مال أوادم شجابك بيه ؟ ! ". قلت على الفور : دكتور شفتك داخل ودخلت وراك ! " .. فضحك من كل قلبه .. وحين سمع الطلاب يضحكون ، التفت إلي قائلاً :" موت الكرفك .. بعدك لسانك زفر ؟!! ."

 يمكن أن تقول عن إنسان ما إنه طيب .. ولكن طيبة سليم النعيمي لم يكن لها حدود ! .

 كان مولعاً باتخاذي مادة لتعليقاته ، لاسيما أمام البنات .. وكنت مولعاً بمشاكسته ! . حيثما رآني ، وخاصة في نادي الكلية ـ ىوكان كثيراً ما يتواجد هناك ، وحوله شلة منهن ! ـ وكنت غالباً ما ألبس بدلة بيضاء ورباطاً أحمر .. يقول لهن : شوفوا .. طالع جنه زرزور منقش ! ." وتعلو كركراتهن ، فأدنو إليه قائلاً بصوت خفيض : أكيد نفس النكتة ، لأن ما عندك غيرهه! .. ويتعالى الضحك من جديد ! .

 كنا في الصف الثالث .. وكان النعيمي ـ رحمه الله ـ يدرسنا مادة النقد الأدبي . والنعيمي لا يسمح لطالب بدخول الصف بعد دخوله هو .. ومع ذلك فقد كانت لدينا كل يوم فيه درس نقد مشكلة ! .. كنت أجيء متأخراً عنه .. فيبقى يجادلني ، ثم أدخل أخيراً موفراً له فرصة نكتة أو نكتتين لفرفشة الطالبات ! .. فهو دائماً :

 ممتليءُ الدروس بالنكاتِ

 غايتـُها تسليةُ البناتِ ! *

ذات يوم وصلت إلى الصف ، ولم يكن قد بقي من الدرس سوى عشر دقائق . قرعت الباب ، وفتحها .. فاتجهت جميع الأبصار نحو الباب المفتوحة ، وأنا واقف في وسطها ببدلتي الشاركسكين البيضاء ، ورباطي الأحمر ! . دفعة واحدة .. وكأنما بشكل موقوت ..علت ضحكة الطلاب بينما كان النعيمي ينظر إلي وأنا أنظر إليه .. ولم يلبث هو أيضاً أن انفجر ضاحكاً ! . إستفدت من الوضع ، واتجهت بهدوء إلى رحلتي ، وجلست .. فظل يتطلع إلي ، ثم قال : " بعد وكت .. ليش مستعجل ؟ .. جان انتظرت الدرس الثاني هم يكمل " .. وكان عندنا درسا نقد متتاليان . قلت بصورة مستفزة : ما فاتني شي دكتور ! . " قال : " إي .. مو إنتَ علاّمه ! . "

 كان موضوع محاضرته مكتوباً على السبورة " الشكل والمضمون في الأدب " . قلت : " دكتور .. كل هذه المادة التي نأخذها منذ ثلاثة أسبيع ، سبق لي أن كتبت فيها مقالاً ونشرته في في جريدة " الهاتف ". قال وقد بدا عليه الإنفعال : وينه ؟؟ .. أهو جيبه خل انشوفه " . فما كان مني إلا أن أسرعت إلى القسم الداخلي ، وكان على مسافة أكتار من قاعة الدرس .. ثم عدت وبيدي الجريدة ، بعد أن أطرت الموضوع بالقلم الأحمر .. وكان عنوانه " الشكل والمضمون في النص الإبداعي " . وضعت الجريدة مفتوحة على الموضوع أمامه عل المنصة ، وعدت إلى رحلتي .. وقبل أن أبلغها سمعت صوته يقول : " تعال .. وين رايح ؟؟ .. ما دام جنابك عبقري ، شكو عندك جاي لهنا ؟؟ . روح ، بعد ما أقبلك في الصف . "

 خرجت من الصف عارفاً أن النعيمي أوسع قلباً من أن يفعل ذلك .. وأطيب من أن يتذكره أساساً في الأسبوع القادم !صل فعلاً .. فحين دخل الصف ، ووجدني جالساً ، قال : ها .. ما عندك مقال جديد ؟! .. وضحكنا جميعاً ، وانصرف إلى الدرس ! .

 نادراً ما كان يعنى بأوراق الإمتحان ، أو بالتقارير .. ولكنه كان يعرف طلابه من حركتهم في الصف ، ومن مدى استيعابهم وهم يناقشون .. أو حتى وهم يشاكسون ! . ما كان يعزل ، وهو يربي مدرسين للغة العربية ، مادة الإختصاص عن الإنسان الذي سيتصرف بها . لقد كان يضرب مثلاً لمروءة المدرس ، ولإنسانيته ، في كل تصرف من تصرفاته ، قبل أن يحاسب على مدى حفظ الطالب للمادة .

 وكان يحب طلابه ويحميهم ! .

سبق أن تحدثت عن قصيدتي في رثاء الملكة عالية ، وقد منعني هو من إلقائها ، بينما شجعني العميد الدكتور جابر عمر ، والمعاون الدكتور أحمد عبدالستار الجواري عليه . وعندما ضاقت علي الأمور ، وقامت علي قيامة السلطة ، تخلى عني العميد والمعاون ، ووقف هو إلى جانبي ، مقدماً استقالته في حال فصلي من الجامعة ! .

 مرة التقينا في ساحة الكلية ، فاستوقفني قائلاً : " مصخم الوجه ! .. يقولون عنك إنك شيوعي ، وأنا لا أصدق أن واحداً يكتب بطريقتك ، ويستعمل اللغة العربية بكل هذا الشغف والمحبة ، لا ينحاز إليها ، وإلى القوم الذين ينطقون بها ! .. أقول أنت قومي .. ويقولون أنت شيوعي !! . "

 رحمك الله يا سيدي .. كم تجنينا عليك متوهمين أنك تتوخى السهولة ، حتى تخرجنا .. فوجدناك الأغنى بطيبتك ، وبتجاوزك لكل العقد والإلتواءات ! .

 لم يكن يتحرج معنا في مداعباته .. فإذا ما خرجنا عن حدود اللياقة سهواً ـ ولم نكن نتعمد ذلك لفرط محبتنا له ـ تجاوز عن خروجنا بشكل لا يترك فينا أثراً للوجع والتبكيت.

 يا أستاذي الكبير .. يا عزيزاً على كل طلابك .. إن لم تكن تركت فينا إلا هذه الطيبة ، وهذه الإنسانية الكبيرة ، فقد أغنيتنا بهما بما لم تغننا الكتب جميعاً .

 سقى الله ثراك .. لقد كنت نعم الأخ ، ونعم الأستاذ ! .

 

 

 * * *

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 الدكتور مصطفى جواد

 

 *

 

_ صباح الخير مولانا .

_ صباح الخيرات دكتور ! .

 

 كان لا يترك لنا فرصة أن نبدأه نحن بالسلام . يسلم هو من بعيد ، وابتسامته الوادعة تملأ وجهه . وكنت أرد على تحيته دائماً بنفس الطريقة : " صباح الخيرات دكتور " ، فوقف ضاحكاً ذات يوم وهو يقول : " أنت دائماً تسلم بصيغ الجموع ، وصيغ منتهى الجموع يا عبدالرزاق ! .

 ما حضر يوماً على الصف إلا ومعه قاموسه المفضل " مختار الصحاح " . وكلما عرضت مشكلة في اللغة ، وأجاب عليها ، رجع بعد الإجابة إلى القاموس ليتأكد من صحة ما ذهب إليه ، وهو هو في اللغة .. مصطفى جواد !

 أذكر ، ويذكر زملاء دراستي في دار المعلمين العالية ، أنه قرأ تفسيراً للفراهيدي في معنى كلمة ما ، فتوقف عنده ثم قال : لا ، لا ، لا .. مو كلنه إنت تفتهم يا فراهيدي أفندي ؟! . وفتح المختار ، فأكد له ما ذهب هو إليه ! .

 مسألتان كبيرتان زرعهما في قلوبنا هذا الرجل الجليل : تواضع العالم..والرجوع إلى المظان قبل إطلاق الأحكام .

 أذكر أن الدكتور البصير ـ رحمه الله ـ كانت تستفزه كلمة " أعتقد " التي نستعملها نحن عادة في بدء الكلام . كان يجفل منها . قال لنا ذات يوم : كائنة ما كانت درجة ثقتك برأيك ، فقد تجد ذات يوم من ينقضه عليك . ولكي تكون أميناً لنفسك قبل غيرها ، قل أظن ، ولا تقل أعتقد ، فالإعتقاد مسألة خطيرة ! .

 وإذ وصلت إلى " قل ولا تقل " ، فقد دنوت من أكثر خصوصيات الدكتور مصطفى جواد ـ رحمه الله ـ خصوصية . هذه الجملة ذائعة الصيت .. والتي أثارت الكثير من التندر ، والكثير من التعقيبات .. ما أحوجنا إليها اليوم ، ونحن نرى من تهافت لغتنا ما نرى .. ونسمع من خطأ أهل التخصص فيها ما نسمع ! .

 وللدكتور مصطفى جواد روح مرحة ، ونكتة عذبة تزيد من طرافتها طريقته في روايتها . روي عنه مرة أنه كان يبحث عن قبر أحد العلماء القدامى في منطقة الكاظمية .. واقترب كثيراً حتى صار في درب من الدروب المحيطة بمرقد الإمامين عليهما السلام . كانت بيده أوراقه .. يقرأ ، ويحسب .. ومعه مساعدان يقيسان ويسجلان .. حتى وصل ألى باب دار متداعية وقف قبالتها وقال لمساعديه : هنا موقع القبر . وقرع الباب .

 فتحت الباب قليلاً ، وأطل من فرجتها رأس رجل يجلله الشيب .. نظر إلى الطارق ، وما لبث أن علت وجهه دهشة يشوبها فرح غامر ، ففتح الباب على مصراعها ، وخرج إلى زائره حافي القدمين ، مهلهل الثوب ، ولكنه مفعم بالفرح , وهو يقول : " أنت يا دكتور مصطفى ؟؟ .. أفي حلم أنا أم في علم ؟؟ . أنت تتذكرني بعد كل هذه السنين ، وجئت تزورني هنا ؟ ! . تفضل .. تفضلوا ، وإن كان المقام لا يليق .

 بقي الدكتور مصطفى ـ رحمه الله ـ منعقد اللسان .. جامداً في مكانه ، وهو ينظر إلى وجه محدثه مأخوذاً بالمفاجأة . لقد أعاده هذا الجرم المتداعي ، المضطرب فرحاً أمامه ، خمسين عاماً إلى الوراء .. إلى أيام كان طالباً في دار المعلمين الريفية ـ أو الإبتدائية لا أتذكر ـ وكان هذا الشيخ المتهدم أعز أصدقائه فيها .

 إنتبه الدكتور مصطفى من ذهوله على صوت صديق الصبا وهو يقول : تفضل يا دكتور . ليس من المعقول أن تأتي لزيارتي بعد كل هذه السنين ، وتبقى واقفاً في الطريق .. فقال له الدكتور بشرود : " ولكنني لم آت لزيارتك ! ." ، ولكي يجيب على نظرة الإستفهام الغريبة التي ملأت عيني الشيخ ، قال مواصلاً : " في بيتك هذا .. وفق المعلومات التي معي .. يقع قبر العالم الفقيه فلان الفلاني .. فإذا أثبت التنقيب صحة ما توصلنا إليه ، فلابد من استملاك البيت !.

 إتسعت عينا الشيخ وهو يحملق مذعوراً في وجه الدكتور مصطفى جواد .. وأمسك بيده وهو يقول : دكتور .. دخيلك ..عندي خمسة .. كبيرهم لم يكمل الدراسة بعد .. أين نولي ؟؟ . أحلفك بحرمة السنين التي عشناها معاً .. زحزح المرحوم ولو مترين خارج هذه الدار .

 ويضحك الدكتور مصطفى ـ رحمه الله ـ ضحكته الأثيرة وهو يقول : من يدري ؟؟ .. ربما كان المرحوم لم يدفن هنا أصلاً ! .

 

 * * *

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 بين الأمس واليوم

 

 

 *

 

 

 في حفل كبير لتخرج الطلبة في إحدى الجامعات ، قبل قرابة عشر سنوات ، ألح علي رئيس الجامعة لحضور الإحتفال .. وحضرت .

 ما كان أسخى ، ولا أبهى من تلك الليلة ، ومن ذلك المكان ، ومن تلك الوجوه التي تألقت فيه ! . عناقبد من النجوم ، تكوكبت لصق بعضها كما تتجمع المجرة .. لا يستقر للناظر إليها مسقط عين ! .

 وبدأ الإحتفال . كنت جلساً إلى جانب رئيس الجامعة .. وكان ابن دورتي في دار المعلمين العالية .. وعلى جانبينا ، وخلفنا جلس عدد من العمداء والأساتذة ، معظمهم أصدقاء وزملاء دراسة . وتوالت فقرات الحفل : كلمة رئيس الجامعة .. كلمة الإتحاد الوطني .. كلمة الخريجين . كلمات .. ثم مطرب .. ثم أعلن عن مسابقة نكات .. ثم ....

 إلتفت إلى رئيس الجامعة متسائلاً : أليس في الجامعة كلها شاعر ؟! . أليس بين الخريجين جميعاً محب سيفارق حبيبته ؟! . طالب وفي يعز عليه فراق كليته ، وأصدقائه ، وأساتذته فيقول في توديعهم شيئاً ؟! . قال مبتسماً : رحم الله أيام زمان يا أبا خالد ! .. وأحسست بهمهمة تسري بين الأساتذة والعمداء .. وما لبث اثنان منهما أن غادرا مكانيهما متوجهين إلى رئيس الجامعة ، وسمعتهما يتوسطانه لدي باسم الآخرين .. فالتفت إلي وهو يضحك ضحكته الوادعة قائلاً : لقد سمعت يا أبا خالد .. وأنا والله أضم صوتي إلى أصواتهم . نحن جميعاً بأشد الحنين إلى ليلة من ليالي دار المعلمين العالية الآن .. ولا يستطيع إحياءها سواك ! .

 أمام كل هذا الحب ، وهذا الحنين ، قمت مشيعاً بتعليقات زملائي المفعمة بالمحبة .. وبدهشة وتصفيق الطلبة الذين أعلن لهم أن عبدالرزاق عبدالواحد سيقرأ الليلة قصائد كان عليهم هم أن يقرأوها ! .

 بدأت حديثي للطلاب هكذا .. قلت : قبل قرابة أربعين عاماً .. يوم كنتم جميعاً أجنة في بطون الغيب .. كنا طلاباً في الجامعة ! . رئيس جامعتكم ، وعدد غير قليل من الأساتذة الأفاضل الحضور في هذه الأمسية الرائعة ، كانوا طلاباً معي في دار المعلمين العالية آنذاك . ما زلت أذكر اليوم الأول الذي دخلت فيه الصف الأول ، قسم اللغة العربية ، وتكامل عدد الطلبة فكنا نيفاً وثلاثين طالباً ، منهم ثماني طالبات .. إثنتان منهن ترتديان العباءة داخل الصف ، ولم تكن ، لا وسائل الأناقة ، ولا مقومات الجمال قد بلغت الشأو الذي أراه الآن في هذا الحفل ! .. وكان في صفنا وحده خمسة شعراء .. وأقسم أننا كتبنا أجمل الشعر ، وأصدقه ! . ويوم ودعنا كليتنا ، كان لكل منا قصة حب ترك خيطها طافياً على موج الماضي بعد أن انقطع ما كان عالقاً به من قصائد وحكايات , مثل خيط مظفر النواب ! :

 

 روحي .. ولا تكلهه شبيج .. وانتَ الماي

 مكطوعه مثل خيط السمج روحي !

 

ثم تحدثت اهم عن الطلاب في ذلك الزمان ، يقبلون من مدن العراق وقراه المختلفة .. يواجه الولد بنتاً ، والبنت ولداً للمرة الأولى في حياتهما .. ويعيشان معاً .. يدرسان معاً ، ويأكلان في مطعم واحد .. وكيف ، من النظرة الأولى يدخلان في نشوة الهوى ، وفي متاهاته الرائعة ..! .

 أخبرتهم عن شاعر كتب أول قصيدة حب في حياته ، ولم يجرؤ أن يسلمها لصاحبتها ، فانتهز غفلة منها ، ودس القصيدة بين دفاترها ، ثم هرب من الكلية ثلاثة أيام كانت هي خلالها تبحث عنه .. حتى ألقت عليه القبض قرب غرفة العميد .. وفي ذروة فزعه ، أخبرته بأنها هي أيضاً تحبه ! . أخبرتهم عن بدر شاكر السياب وديوان شعره الذي بات ينتقل بين العذارى في أقسام البنات الداخلية :

 ديوان شعري ملؤهُ غزَلُ

 بين العذارى بات ينتقلُ

وكيف كان يحسد ديوانه لما يتمتع به من وصل .. وما يكابد هو من حرمان ! :

 أأبيت في همٍّ وتسـهيدِ

 وتبيتُ تحتَ وسائدِ الغيدِ ؟

 أفَلستَ مني ؟..إنني نَكِدٌ

 ما بالُ حظكَ غير مَنكودِ ؟!

تحدثت لهم عن نازك الملائكة .. وسليمان العيسى ، وما كنت رأيتهما لأنهما تخرجا قبل أن أجيء ، ولكن أصداء قصائدهما كانت تتردد في جميع صفوف الكلية وممراتها ، على شفاه شفاه الطلبة المحبين .. وفي اختلاجات قلوبهم :

 هنا وقفتْ يوماً .. هناك تبسَّمت ...

ويضيء وجه سليمان العيسى ..

 لِنكنْ أصدقـاء ..

وتلتمع مع طهر صوت نازك الملائكة ألف دمعة في العيون ! .. تحدثت عن شاذل طاقه ، وعن سعدي يوسف ، وعبدالوهاب البياتي ، ولميعة عباس عمارة ، وصالح جواد الطعمه ، وكاظم نعمه التميمي ، وزكي الجابر ، ومحمد جميل شلش .. وأجيال من الشعراء ملأوا الكلية شعراً وحباً .. وحين ودعوها ، كانت قصائدهم وثائق حب وشمت على جدران كليتهم ، وعلى أغشية قلوب طلبتها لأجيال وأجيال !

 كان الطلبة يستمعون وكأن على رؤوسهم الطير .. حتى إذا بدأت بقراءة " قصائد حب من أيام التلمذة " ، عصف بهم فرح لا يصدق ، وكأنني كنت أقرأ بألسنتهم جميعاً ! .

 قلّ أن مرت بي ليلة وجد وحب مثل تلك الليلة ، سواء من زملائي ، أو من تلامذتهم .. أولئك بما تذكروا ، وهؤلاء بما أحسوا من فقدان ! .

 

 

 * * *

 

عَودٌ على بدء

~~~~~~~~

لست أدري لماذا أفزعني إحساس غريب ، بأن توقفي عن كتابة ذكرياتي ، نذير بالتوقف عن حياتي .. فسارعت بالعودة إلى مواصلة كتابتها ، لا خوفا ًمن النذير .. ولكن لكيلا أترك نهايات هذه الذكريات مبتورة ً.. مشرعة لريح التآويل ، ولأن فيها ما لم أقله بعد ، و ما يعز عليّ أن يطويه النسيان ! .

 ولكي لا أحدث فجوة ًفي ذكرياتي بعد أن انقطعت عنها كل هذا الوقت ، سأعاود كتابتها مبتدئا ًبأول حلقة كتبتها عن { مندلي } بعنوان { أول البعد } ، محاولا ً مواصلتها إلى يوم يشاء سبحانه أن يسقط هذا القلم من يدي .

 

أوَّلُ البُعـد

~~~~~~

 في مندلي

 ( 1 )

 

 

 في آخر لقاء مع بهجت العطية ـ رحمه الله ـ بعد خمسة أشهر حفيت فيها أقدامنا من الركض بين وزارة المعارف ، والتحقيقات الجنائية .. للحصول على شهادة " حسن السلوك " .. قال لي ما أكاد أتذكره بالحرف : " إسمع . نحن في غنى عما تثيره من مشاكل بقصائدك هذه التي لا يصفق لها إلا المراهقون .. ستتسلم الآن شهادة حسن السلوك .. وسيصدر أمر تعيينك . ستذهب إلى " مندلي ". الناس هناك يتكلمون الكردية والتركمانية .. أما العربية فقلّ من ينطق بها .. فإذا قرأت شعراً هناك ، فلن يصفق لك أحد سوى عقارب مندلي التي ستصفق فوق جلدك ! . ثم أردف قائلاً : هل سمعت بالعقرب الجرار في مندلي ؟ .. قلت : لا . قال ستراه قريباً ! . ثم وقف ، وصافحني مودعاً وهو يقول : إسمع يا عبدالرزاق . إلتقينا كثيراً خلال هذه الشهور .. ونفترق الآن كأصدقاء .. ولكن ، إياك أن تدعني أراك مرة ثانية .. فإن فعلت ، فستلعن اليوم الذي ولدت فيه ! .

 وكما نسب مدير التحقيقات الجنائية ، عينت في مندلي ،

في المتوسطة الوحيدة فيها ، والتي أصبحت للمرة الأولى ـ في ذلك العام ـ مدرسة حكومية ، بعد أن كانت مدرسة أهلية يتولى أولياء أمور الطلبة أمر الإنفاق عليها ، ودفع رواتب من يختارونهم لتعليم أولادهم فيها .

 سأحاول الآن أن أستعيد ، وبحنين جارف ، تفاصيل أيامي الأولى في هذه المدينة النائية .. المدينة الكنز .. مندلي .. التي بها ، وفيها ابتدأ الشعر الحقيقي في حياتي !.

 حالما تسلمت أمر تعييني ، إشتريت حقيبة ملابس من النوع الرخيص ، حشوت فيها ملابسي وأمتعتي الفقيرة ، وذهبت مبكراً إلى كراج سيارات مندلي .. كان ذلك عام 1952 .. وكان الطريق بين بغداد ومندلي ترابياً لم يبلط بعد .. وكانت وسائط النقل فيه باصات خشبية ، تحمل سقوفها بحلان التمر صيفاً ، والأغنام شتاءاً ، فالركاب فيها أبدا ً مضمخون ، إما بخرير الدبس ، أو بسوائل الماشية ! .

 كانت سعادتي غامرة حين وجدت في الكراج قريباً لي يكبرني بأكثر من عشر سنوات ، يشتغل مساحاً في مندلي ، وكان عائداً إليها من إجازة قضاها في بغداد .

 سلمت حقيبتي إلى الحمال الذي كان يقوم برصف الحقائب ، وربطها على سقف الباص .. وإذا به يطوح بالحقيبة في الهواء بشكل عشوائي ، فتجتاز سقف السيارة وتهوي في الجهة الثانية منشطرة نصفين ، وقد تناثرت منها جميع ملابسي وحاجياتي .

 جن جنوني .. وانهلت بالشتائم على الحمال ، وإذا به يجيبني بأقسى منها ! . في هذه اللحظة تدخل قريبي المساح ممسكاً بي وهو يقول : ما هذا يا عبدالرزاق ؟..ماذا تفعل ؟ قلت : ألم تشاهد ما فعل ؟ . قال : بلى . قلت : وسمعت كيف شتمني ؟ . قال : أنت شتمته أولاً . قلت : شتمته لما فعله بحقيبتي . قال : هذا لا يعطيك حق أن تشتمه .. وتقول إنك شاعر الطبقة الفقيرة يا عبدالرزاق ، الذي احتمل الفصل ، والتشريد ، والحرمان لأنه يدافع عن كرامتهم ، وعن حقهم في الحياة ؟! . تريد أن تشتمه ولا يجيبك ؟؟! . عليك أن تحترمه لأنه لم يسمح لك بإهانته دون أن يرد عليك ! .

 أعترف أنني أحسست بصغري أمام منطق قريبي ، فبقيت مطرقاً بينما ذهب هو يفتش عن حبل ربط به فلقتي الحقيبة بعد أن أعاد حشر ملابسي وأمتعتي فيها . كانت هذه أول تجارب حياتي الوظيفية ! .

 وصل بنا الباص إلى مندلي ليلاً .. وكان قريبي قد نزل قبل أن نصل إلى المدينة ، في مكان لا يبعد عنها كثيراً ، خصص له ليعمل فيه . قال لي قبل أن يودعني : إسأل عن مكان تبيت فيه ليلتك هذه .. سيدلونك . وفهمت فيما بعد لماذا لم يرشدني إلى الفندق الذي يمكن أن أنزل فيه .

 قلت للسائق : هل هناك فندق يمكن أن أقضي الليلة فيه ؟

قال : نعم . وأوصلني إلى بيت معلق ، صعدت إليه على سلم ضيق شديد الإنحدار ، فوجدت مدخلاً ، وغرفتين مفتوحتين على بعضهما .. في إحداهما ثلاثة أسرة من الخشب ، فرشت عليهما أفرشة لم أتبين مدى بؤسها إلا في الصباح . أما في الغرفة الثانية ، فأربعة أرشة فرشت على الأرض . قال صاحب النزل : على الأرض بعشرة فلوس ، وعلى السرير بعشرين فلساً لليلة الواحدة .. فاخترت سريراً نمت عليه .. وكنت النزيل الوحيد ! .

 إستيقظت في الصباح الباكر مذعوراً على نهيق جمهرة من الحمير ملأت أرجاء المكان . فتحت شباك الغرفة .. مددت رأسي ، فألفيتني أطل على ساحة واسعة مملوءة بالحمير .. ولا أدري إذا كان الطرب ، أو الغضب ، أو الجوع قد أخذ منها مأخذاً ، فراحت تترافس ، وتنهق بتلك الصورة العجيبة .

 كان صاحب النزل ما زال يغط في نومه ، فاضطررت إلى إيقاظه لكي يفتح لي الباب .. ثم أرشدني إلى برميل ماء في زاوية معزولة بأسفل البيت ، حيث غسلت وجهي ، وعدت إلى الغرفة . لبست ملابسي ، ودفعت له العشرين فلساً ، وأمنت حقيبتي لديه بعد أن دلني على المدرسة المتوسطة التي لم تكن تبعد أكثر من خمسين خطوة عن النزل .

 إستقبلني في غرفة الإدارة شاب وسيم ، أبيض البشرة ، أشقر الشعر والشاربين .. دقيق الجسم ، دقيق الملامح .. عيناه الزرقاوان تضيئان بحميمية بالغة خلف نظارته الطبية .. كان هو مدير المدرسة .. الأستاذ صالح إبراهيم . سلمته أمر التعيين ، فرحب بي .. وما لبث الجرس أن دق معلناً انتهاء الدرس ، فأقبل بقية المدرسين ، وكانوا جميعاً في سنتهم الأولى ما عدا المدير الذي كان مدرساً للغة العربية في بعقوبة ، ومدرس اللغة الإنكليزية ، فلسطيني الجنسية . علمت من المدير الذي ربطتني به ، منذ الدقائق الأولى ، وشائج محبة نادرة .. علمت منه أنه ، والدرسين جميعاً ، يسكنون في بيت واحد لأنهم جميعاً عزاب . وأسرع بإرسال فراش المدرسة لنقل حقيبتي من " الخان " كما سماه ، إلى مسكني الجديد معهم .. وقد اتخذنا من الفندق الذي كنت نازلاً فيه مادة للتندر طوال ذلك اليوم ! .

 

 

 

 

 

 في مندلي

 

 ( 2 )

 

 يقع بيت المدرسين الذي انتقلت إليه في نهاية الطريق الوحيد الذي يخترق مدينة مندلي من جانبها الشرقي متلوّيا ًبين حاراتها ، مارا ًفي وسطه بقائمقامية القضاء ، والمحكمة ، ومدرستي الأولاد والبنات الإبتدائيتين .. منتشرة ًحوله الدكاكين ، والخينان ، والمقاهي الصغيرة ، متفرعة منه عشرات الدروب الضيقة التي تتشابك مكتظة بالبيوت وجلبة الأطفال وحركة المارة ..فلو قيض لأحد آنذاك أن يصوره من الجو ، لبدا بأفرعه الكثيرة مثل أم أربعة وأربعين ! .

 على جانبي هذا الطريق اليتيم ، في نهايات المدينة غربا ً، تقع معاونية الشرطة ، والمستوصف الوحيد ، والمدرسة المتوسطة ، ثم بيت المدرسين الذي ينفتح بعده الدرب عريضا ً على أرض جرداء مدَّ البصر .

 في الليلة الأولى لإقامتي في بيت المدرسين الذي انتقلت إليه مساهماً بسدس مبلغ إيجاره " نصف دينار شهرياً " ، نهضت ملء مخيلتي صورة مدير الأمن العام {بهجت العطية } وهو يقول لي في آخر يوم رأيته فيه : ستذهب أنت إلى مندلي . هناك لا يتكلمون العربية لأن سكان المدينة جلهم من التركمان والأكراد ، فلن يفهم أحد شعرك .. ولن يصفق لك إلا { جرار مندلي } الذي سيصفق على جلدك. قلت : ما هو الجرار ؟ .. قال : لا تتعجل ، ستراه هناك !.

 كنا قد قضينا النصف الأول من النهار في المدرسة بفرح غامر . كانت بداية السنة الدراسية .. وكان المدرسون جميعا ًـ عدا مدير الدرسة ـ خريجين جددا ً تملؤهم غبطة اليوم الأول لممارستهم الوظيفة . حين عدنا ظهرا ًإلى بيتنا الذي لم يكن يبعد كثيرا ًعن المدرسة ، كان الغداء معدا ً ، والمائدة منصوبة . أقبل عليّ مسلما ً شاب في العشرينات من عمره ، وسيم ، نظيف المظهر ، قال لي المدير والشاب يصافحني : هذا حسن ، مسؤول بيتنا وحارسه ، وهو طباخ ماهر .. إتفقنا معه على أن يطبخ طعامنا ، ويقوم بتنظيف البيت ، وغسل الملابس في بيته ، لقاء خمسة دنانير في الشهر ، ويتبضع لنا ما نحتاجه من مواد للطعام والتنظيف . وكان حسن قد ذهب في صباح ذلك اليوم إلى سوق المدينة واشترى لي سريرا ً حديديا ً كأسرة المدرسين ، وفراشا ً وأغطية دفع ثمنها جميعا ًمدير المدرسة دينا ًعليّ حتى مجيء الراتب ! .

 أول شيء لفت انتباهي عند عودتنا من المدرسة إلى البيت ، أن الأسرّة الستة كانت مرصوفة لصق بعضها في ساحة الدار . لم أفهم السبب ، ولم أسأل . لقد كنا منشغلين ببداية حياة جديدة مفعمة بالمتغيرات لا وقت فيها للأسئلة . بدأ السؤال الأول حين رأيت حسن وقت الغروب يملأ جردلا ًبالماء ، ويخلط به كمية غير قليلة من حامض الفينيك ويرش به كل المساحة حول أسرتنا وتحتها .. أعاد ذلك مرارا ًحتى ابتلت الأرض تماما ً. قلت للمدير : ماذا يصنع هذا ؟؟ . إن الطين سيعلق بأي غطاء من أغطيتنا يلامس الأرض . قال المدير ضاحكاً : أفضل من أن يعلق به جرار ! . وضحك الآخرون ..

 كان نومي قلقا ًجدا ً تلك الليلة لأن كل شيء كان جديدا ً عليّ ..المدرسة ، البيت ، زملائي المدرسون ، هذا التغير الكامل في حياتي ، وربما هذه السعادة العميقة التي كنت أحس بها كوني أصبحت المسؤول عن حياة إخوتي وأمي ، وأن بإمكاني أن أعيلهم الآن ! .

 ساعات وأنا أتأمل السماء الصافية ، ونجومها ، وضوء القمر الشاحب .. وأسمع عواء بنات آوى البعيد ، ونباح الكلاب ملقيا ًعلى الظلام سكينة ، وإحساسا ًعميقا ً بالأمان ! .

 لا أدري متى غفوت .. ولكنني استيقظت على جلبة وحركة عنيفـتين . كان المدرسون ينفضون أغطيتهم ويتفقدون مواضع نومهم ، فقد تدلى طرف بطانية أحدهم على الأرض ..! .

 

 

 

 *

 

 

 في مندلي

 

 ( 3 )

 

جرَّار مندلي

~~~~~~~

 

 

 لكي أرسم صورة للفزع الذي ظل يلازمنا طيلة مدة وجودنا في مندلي ، سأقدم وصفا ً دقيقا ً لهذه الحشرة العجيبة .

 

 عقرب بحجم إظفر بنصر اليد .. له ذنب أدق من خيط مسبحة الكهرب ، لا يتجاوز طوله ثلاثة سنتمترات ، ولا ترى عقد ذنبه الذي ـ لفرط رهافته ـ يتحرك بلمح البصر دورة ًكاملة .. أصفر شفاف الصفرة بلون الكهرب الصافي .. لو رأيته وأنت لا تعرفه ، لاشتقت لإمساكه والعبث معه ، فإذا علمت أن لدغته قاتلة ، إذا نجا لديغها من الموت بفضل متانة بنيانه ـ وهذا نادر ـ فبعد أن تترك اللدغة حفرة في جسده يسقط لحمها حدّ العظم ، إذا قيل لك ذلك فلن تصدقه وأنت تنظر إليه !. هذا الكائن الجميل قد يفاجؤك في كل مكان ، تحت حصيرك ، أو بين ملابسك ، أو حتى في جيبك ـ وقد حصل هذا لأحدنا ـ عندئذ تعرف حجم المفارقة بين شكل هذا المخلوق العجيب وفعله !.

 

 كنا نربط في الغرف حبالا ً نعلق عليها ملابسنا لكي لا تمس الحيطان .. ومع ذلك سمعنا ذات صباح صرخة زميلنا الفلسطيني وهو يرمي بنطلونه بعيدا ًعنه وقد تغيرت معالم وجهه بشكل مخيف من الفزع !.. لقد نظرـ لحسن حظه ـ داخل البنطلون وهو يحاول مد ساقه فيه ، فأبصر جرارا ً بين ملتقى ساقي البنطلون ! .

 

 ورفع زميل آخر ذات يوم قـُلـَّة الماء إلى فمه ليشرب منها ،

 

فوقعت من يده ، وكاد أن يغمى عليه .. لقد كان جرار يبترد في عنق القلة من الداخل ! .

 

 قال لنا أهل المدينة : لا تخافوه .. فهو لا يصعد حصيرا ً أو فرا شا ً بل يندس تحته ، ولكن التجارب أرتنا العجائب ! .

 

 من الجرار أنواع كبيرة بحجم العقرب الطبيعي .. قالوا إن هذا يقتل جملا ً ! .

 

 بعد أسبوع واحد من سكني مع المدرسين ، دفع باب بيتنا عتال يحمل على رأسه صندوقا ًخشبيا ً عرفته من النظرة الأولى إليه .. " السحّارة " ، هكذا كنا نسميه في بيتنا ، أو هكذا كانت تسميه العامة في بغداد . . وعرفت مباشرة من سيدخل في أثره ، وفعلا ً دخل أخي الأوسط عبدالوهاب على الفور ، وكان طالبا ً في الصف الثاني المتوسط .

 

بعد أسبوع جلبت أمي إخوتي وأخواتي وجاءت إلى مندلي . كنت أنا معيلهم . كنا ثلاث أخوات وثلاثة إخوة ، أنا أكبرهم ، وكان الذي يليني عبدالوهاب ، وأصغرنا طفل يزحف .. إستأجرنا بيتا ً قرب المدرسة ، ودعت زملائي ، وانتقلت بعائلتي إليه .

 

 ذات ظهيرة ، والكل نيام .. سمعت صرخة أختي الكبيرة ، وكانت طالبة في الصف السادس الإبتدائي . وثبت إليها فوجدتها جامدة مثل التمثال وهي تنظر إلى أخيها الصغير يزحف مسرعا ً خلف جرار كبير يحاول الإمساك به .. قفزت مصعوقا ً إلى بشير وحملته من الأرض وهو يصرخ محاولا ً الإفلات خلف الجرار ..

 

 شهورا ً حرمنا بشير من الزحف .. كنا نتداوله فيما بيننا مرتعبين من ذلك المشهد الذي ظل يلازمنا زمنا ً طويلا ً . حتى الآن .. كلما نظرنا إلى بشير، وهو الآن طبيب إستشاري كبير مختص بجراحة القلب ، رغم مرور خمسة وخمسين عاما ً على هذه الحادثة ، يدور في أذهاننا جميعا ً ـ كما اكتشفنا ذات يوم ـ ماذا لو أن أخته لم تخرج من الغرفة في تلك اللحظة ؟! .

 

 في المدينة كان أصدقاؤنا ، ومعارفنا من المعلمين والموظفين ، يتندرون على هذا الحجم من الخوف الذي يملأ نفوس مدرسي المدرسة الثانوية من الجرار . . لا أدري ، ربما لفرط ما هوّلوه هم لنا من أمره ..وربما لحداثة معرفتنا به ، وعدم تعودنا على طرق تجنبه واتقائه ..المهم أن جرار مندلي بقي حلما ًمفزعا ً يراود أخيلتنا لسنوات طويلة .

 

 

 

 

 

 *

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 في مندلي

 

 

 

 ( 4 )

 

 

 

المدينة الكنز

 

~~~~~~~

 

 

 

 قد يستغرب القاريء أن يتحدث إنسان عاش معظم حياته في بغداد ، عن مدينة نائية ، فقيرة مثل مندلي ، فيصفها بأنها مدينته الكنز . لقد كانت مندلي هكذا فعلاً بالنسبة لي .

 

 لأول مرة ، منذ فارقت " علي الغربي " ، أسمع ـ مرة ثانية ـ أصوات بنات آوى ، ونباح الكلاب في الليل . ولأول مرة ، منذ ابتعدت عن العمارة ، أرى ـ مرة ثانيةـ السطوح الخفيضة تملؤها الأفرشة والناس في ليالي الصيف ، وأسمع كركرات أطفالهم ، وأصواتهم وهمويتسامرون . ولأول مرة ـ منذ فارقت محلتي "السرية " في ميسان ، أحس أنني ملتحم بنبض الحياة من جديد .. وبأنني جزء من هؤلاء البشر الذين أسمع حتى تفاصيل حياتهم في ليالي الصيف المقمرة .

 

 

 

 .. وَوشى عويلُ بناتِ آوى بالظلام ِوبالسكونْ

 

 فتجاوبَتْ من كلِّ بابْ

 

 أصواتُ آلافِ الكلابْ

 

 وتغَلغَلتْ تلقي السلام على المَسامع ِوالعيونْ ..

 

 وعلى السطوح الواطياتْ

 

 فوق الوسائدِ ، والمَفارش ِ..تحتَ مروَحَةِ القمَرْ

 

 كانتْ أحاديثُ السَّـمَرْ

 

 تجترُّ آلافَ المشاكل ِ، والمَشاهِدِ ، والصوَرْ ..

 

 

 

 بالأمس ِماتَ أبو فلانْ

 

 إسمَعْ إلى نَـقـْرِ الدَّرابكِ ،

 

 إبنـُهُ عَـقـَدَ الـقرانْ

 

 أبناءُ هذا الوَقت .. هَهْ

 

 سُحقا ً لهذا من زَمانْ !

 

 

 

 * * * * * *

 

 

 

كان بيت مديرة المدرسة الإبتدائية للبنات لصق بيتنا ، وكان لها أخٌ محام ٍ حديث التخرج سرعان ما زارنا وتوطدت بيننا أواصر صداقة حميمة ، لاسيما بعد أن عرف أني رجل قلم وكتاب . في جلسة من جلساتنا ذات يوم ، ومندلي لا مكان فيها يلجأ إليه الموظف إلا النادي ، وعليه في هذه الحالة أن يغرق في الشراب ولعب الورق ، ولم يكن أي منا من أهلهما ، سألني : كيف تقضي وقتك ؟ . قلت : لدي مجموعة قليلة من الكتب أحرص أن أقرأها على مهل حتى أجد من أ ستعير منه شيئا ً.. قال :عندي أنا أيضا ًمكتبة صغيرة .. ما رأيك لو تبادلنا ما لدينا ، وكلما أنتهينا من قراءة كتاب عقدنا جلسة لمناقشته .. هي ثقافة ، وهي جلسة سمر.. ما رأيك ؟ . فجأة ًخطر ببالي صديق رائع .. فيصل الياسري .. لديه مكتبة رائعة في بيته ببغداد ! . قلت لصديقي المحامي : إنتظر ، سيأتينا الفرج من بغداد . . وهكذا كان .

 

 بعد أسبوعين نزلت إلى بغداد ، وعدت ومعي حقيبة متوسطة الحجم ملأى بعيون الكتب ، طار بها صاحبي فرحا ً.

 

 عام كامل ، كنا أحيانا ً نقرأ كتابا ًكل يومين ، حتى إذا نفدت ذخيرتنا حملت حقيبتي وعدت بالكتب إلى صديق العمر فيصل الياسري لأفرغها لديه ، وأعود بها ملأى مرة ثانية ! .

 

 أكاد أجزم الآن أن الأسس المتينة الأولى لثقافتي كان الفضل فيها لتلك الفترة في مندلي حيث لا شاغل إلا الكتاب ، ولمكتبة الصديق فيصل الياسري ، واقتراح جاري المحامي ، ومشاركته .

 

 

 

 في قريتي ، حيث تموتُ البذورْ

 

 وحيثُ لا يُـزرَعُ إلا الـقبورْ

 

 وحيثُ تـَلهو برؤوس ِالـوَرى

 

 كلُّ الخرافاتِ ، وكلُّ الـشرورْ

 

 

 

 حيثُ يعيشُ الناسُ مِن دون ِدورْ

 

 أقواتـُهُم ما في الثـَّرى من جذورْ

 

 وحيثُ يَـقسـو وَيَجِفُّ الشعورْ

 

 وتـَجـْأرُ الأنفـُسُ حتى تـَثورْ

 

 

 

 في قريَتي ، وَكلـُّها تـَجهَلُ

 

 بُحـَيـْرَة ٌ يؤنِسـُها جَدوَلُ

 

 تـَسقي الرَيداتِ التي تـُهمَلُ

 

 والطـَّيرَ،والوَحشَ ولا تبخَلُ

 

 لم يَتـَمَوَّجْ حَولـَها سُـنبُـلُ

 

 ولم يُبارِكْ أرضَـها مِنجـَلُ

 

 لكـنـَّها في صَمتِها تـَعمَلُ !

 

 

 

 *

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 في مندلي

 

 

 

 ( 5 )

 

 

 

المدرسة النموذج

 

 - آ -

 

~~~~~~~~~~

 

 

 

 أعجب مدرسة كانت .. هذه المتوسطة الصغيرة ذات الخمسة صفوف ! . أول وثاني وثالث فقط .

 

 أولا ً، كان عدد طلابها قليلا ً مما أتاح للمدرسين الوقت للعناية الفائقة بهم . ولأن نصاب المدرس في المرحلتين المتوسطة والإعدادية أربع وعشرون حصة في الأسبوع ، فقد عزّ على مديرية تربية ديالى أن يدرّس كل واحد منهم ثماني عشرة حصة فقط ، فأصدرت قرارا ً غريبا ًمن نوعه : أن يلحق بمتوسطة مندلي صف سادس إبتدائي يُنتقى من الطلاب المتميزين في الإبتدائية وذلك لإتمام نصاب المدرسين ! . وحصل ! .

 

 في البداية عانينا معاناة كبيرة في طريقة التعامل مع هؤلاء الطلبة الجدد ، سواء من ناحية أعمارهم ، أو من ناحية مناهجهم المختلفة كل الإختلاف عن الطرق التربوية في تدريس المرحلتين المتوسطة والإعدادية التي تلقيناها في الجامعة . ولكننا مع الزمن إعتدنا عليهم حتى صارت دروسنا في صفهم من أعز الدروس علينا ! .

 

 أما أنا ، فأول شيء عانيته من سنتي الأولى في التعليم ، ما أنذرني به مدير الأمن العام المرحوم بهجت العطية من أن لغة هذه المدينة موزعة بين التركمانية والكردية ، والقلة من أهلها عرب. وأوجع المعاناة كانت في درس الإنشاء . خيرهم ما كان يستطيع أن يكتب سطرا ً واحدا ًفي أي موضوع حتى لو اختاره هو بنفسه !. هنا مارست تجربتي المدهشة الأولى في التعليم .

 

 ما أزال ، أنا والأحياء من دورتي في دار المعلمين العالية ، نتذكر حتى الآن درسا ًمن دروس النحو في السنة النهائية من دراستنا في الجامعة . كان أستاذنا هو المرحوم الدكتور أحمد عبد الستار الجواري .. والموضوع { التنازع في العمل } .. والمرجع الذي ندرس فيه مادة النحو { ألفية ابن مالك } .. وورد في المرجع هذا القول للنحوي الشهير{ سيبويه } شاهدا ً على التنازع في العمل : " أعلمَني وأعلَمتـُهُ إيـّاهُ إيـّاهُ زيد ٌعمرواً قائما ً ." .. وحار الطلاب ، وحار الدكتور الجواري ـ على تمكنه من مادته ـ كيف يوجه هذا الشاهد . آخر ما توصلنا إليه : أعلمني زيدٌ عمرواً قائماً وأعلمتـُهُ إيـّاهُ ، وبقيت إحدى الـ { إيـّاهين } لا مكان لها ! . فما كان من الدكتور الجواري ـ رحمه الله ـ إلا أن يلقي قطعة الطباشير من يده وهو يقول غاضبا ً : أيـَّة لغةٍ هذه ؟؟ ..ومن الذي يتحدث بها ؟. أوصيكم من الآن ، حين تتخرجون ، وتذهبون إلى التدريس ، إحذفوا موضوع { التنازع في العمل } حيثما وجدتموه في كتب النحو وإياكم أن تدرسوه للطلاب فتفسدوا لغتهم !

 

 تذكرت هذه الحادثة وأنا أكتب ذكرياتي عن السنة الأولى التي مارست فيها التعليم وكانت في مندلي ، المدينة التي لا يمارس أغلبية أهلها اللغة العربية في حياتهم اليومية ، فضحكت .. أي نحو سأدرس هؤلاء اليافعين وهم لا يحسنون حتى الكتابة باللغة العربية ؟! . وهكذا قررت أن أمارس تجربتي المدهشة الأولى في تدريس اللغة العربية ! .

 

 نقلت مكتبتي إلى المدرسة ، وجعلت دروس اللغة العربية كلها للمطالعة والإنشاء .. أوزع عليهم الكتب ، وأحرص أن تكون كلها من القصص والروايات البسـيطة ، أومن كتب مطالعتهم نفسها .. درس يقرأون به ، وفي الدرس الثاني يلخصون ما قرأوه .

 

 هنا كان لابدّ من البدء بالخطوة الثانية .. من أين آتيهم بما يكفي من الكتب ؟ . بدأت بمشروعين : الأول التبرع بما يمكن التبرع به من كتب في بيوتهم تتماشى ومناهجهم الدراسية . الثاني التبرع النقدي بما لا يثقل عليهم ، ونرسل منهم من يذهب إلى بعقوبة ، مركز المحافظة ، مع قائمة بأسماء الكتب التي تناسب أعمارهم ، ومرحلتهم الدراسية ، وأقر أن إخوتي المدرسين ساعدوني كثيرا ًفي هذه التجربة الرائدة .. سواء بما أمدوني به من كتبهم الشخصية ، أو ما تبرعوا به من رواتبهم رغم محدوديتها . وكان على رأسهم الأستاذ صالح إبراهيم مدير المدرسة الذي كان قبل أن يأتي مديرا ً لمتوسطة مندلي ، مدرساً للغة العربية في ثانوية بعقوبة للبنين .

 

 من يصدق أن أحد الطلاب الذين نجحوا بعد عام واحد من تدريسنا إياهم..وكنت قد أعطيت صفهم ، موضوعا ً طريفا ً في الإنشاء ، هو { صف حياة دينار ذهبي } ! . وإذا به يكتب موضوعا ًلن أنساه ما حييت . أربع عشرة صفحة ملأها بقصة عجيبة على لسان دينار ذهبي ملقىً في أحد الشوارع ونصفه مغمور بالتراب .. وهو يقول متحسرا ً على أيامه الخوالي : كنت مختبئا ًفي قطعة فحم كبيرة تحت الأرض يوم سمعت دويّ طرق الفؤوس على رأسي ! . ثم يصف كيف أخرجوه ، وكيف عذبوه بالنار وهم يصهرونه ، وجميع المراحل التي مرّ بها حتى صار دينارا ً ، ثم أشكال الناس الذين تداولوه ، والأصابع التي عركت أذنيه .. والجيوب التي سكن فيها ، والخزائن التي أقفلت عليه ، وأنواع الوجوه التي رآها حتى انتهى ملقىً في الطريق ، يصرخ وراء كل فقير يمر به لعله يلتفت إليه ! .

 

 

 

 * * *

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 في مندلي

 

 

 

 ( 6 )

 

المدرسة النموذج

 

- ب –

~~~~~~~~~~

 

 

 

 كان الكادر التدريسي الجديد لمتوسطة مندلي متجانسا ًبشكل غريب .. منسجما ًأعضاؤه مع بعضهم إلى أبعد الحدود .. أولاً لأن مدرسيه جميعهم كانوا خريجين جددا ً ، وهذه تجربتهم العملية الأولى ، فهم في حالة رائعة من الحماس والنشوة ..ثانيا ً لأنهم جميعا ًكانوا عازبين لا هموم بيتية لديهم .. وأخيرا ً لأنهم كانوا يعيشون جميعا ً في بيت واحد يخططون لحياتهم متفقين مليئين بالفرح بمغامرتهم الأولى في الحياة .. ولحسن حظهم جميعا ً أنهم لم يكن بينهم واحد من أصحاب الميول المتطرفة . لم يكن بينهم شارب خمرة ، ولا هاوي سهر في الأندية وما فيها ، حتى أننا كنا كثيرا ً ما نـُسأل من قبل المعلمين والموظفين الآخرين : لم لا نراكم في النادي ؟ . فإذا أضفت إلى هذا أننا كنا جميعا ً غرباء عن المدينة يصبح واضحا ً سبب انسجامنا ، وارتباطنا الشديد ببعضنا ، حتى أننا كنا نناقش كل مشكلة تحدث لأي منا بحميمية جميلة . ولأننا لم نكن نخرج من البيت إلا إلى المدرسة ، ولا منها إلا إليه ، فقد كان كل اهتمامنا منصبا ً على مدرستنا وطلابنا ، حتى في أحاديثنا اليومية .

 

 كنا في الأماسي غالبا ًما نذهب إلى المدرسة نلعب الكرة الطائرة ، ويتجمع حولنا الطلاب مشجعين بعد أن ننتقي عددا ًمنهم لإكمال نصاب الفريقين اللاعبين .. ولهذا نشأت بيننا وبين تلاميذنا علاقة محبة نادرة .

 

 يوما ًما ، في بدء السنة الدراسية ، كان لدينا إجتماع مجلس مدرسين إقترح المدير فيه أن نختار من بيننا مرشدين للصفوف . هنا أقر أن مدير مدرستنا كانت لديه التفاتات باهرة رغم أنها السنة الأولى التي يتولى فيها مهمة الإدارة . قال خلال الإجتماع : عندي في هذه المسألة رأي أتمنى أن توافقوني عليه . قلنا : ما هو ؟ قال : جرت العادة أن يكون كل مدرس مرشداً لصف من الصفوف .. ونحن في هذه المدرسة ، عددنا أكثر من عدد الصفوف .. ولأنني أعتـقد أن الإرشاد علاقة حميمة بين الطالب وأستاذه ، يكون من الأكثر نجاحا ً ـ تربويا ًـ أن لا يفرض مرشد على طالب ربما لا يرتاح إليه ، فلا يعرض عليه مشاكله . سألناه ، وقد اقتنعنا بوجاهة رأيه : وماذا تقترح ؟ . قال : لسنا نحن الجانب الذي يختار .. إنما نترك للطلاب أن يختاروا مرشديهم ! قلنا : وكيف نحقق ذلك ؟ . قال : نسأل الطلاب أن يقدم كل واحد منهم ورقة للإدارة يكتب فيها اسمه واسم المدرس الذي يختاره مرشدا ً له ، ويوقعها ، وعندئذٍ يكون هذا اختياره بمحض إرادته !.. واتفقنا على ذلك .

 

 في اليوم التالي حدثت المفاجأة . كان عدد طلاب المدرسة يتجاوز المئة بقليل .. وكان بينهم سبع طالبات إحداهن أختي الكبيرة التي كانت في الصف السادس الإبتدائي الذي انضم إلينا لتعديل نصاب الدروس .. في اليوم التالي كان أكثر من ستين طالبا ً ، وست من الطالبات السبع ، قد اختاروني مرشدا ً لهم ! . جئت إلى المدير معترضا ً . قلت : أستاذ صالح .. إتفقنا في اجتماعنا على أن يكون لكل طالب ملف خاص عند مرشده ، يدون فيه كل ما يتعلق بالطالب من وضعه الدراسي إلى وضعه الإنساني، وما يطرأ على حياته من مصاعب يناقشها مع مرشده .. وأن يدون المرشد ملاحظاته على كل ذلك . قال : نعم . قلت : فمن أين يتسنى لي أن أفعل ذلك مع ثلثي طلاب المدرسة ؟ . قال : أستاذ عبدالرزاق .. أنت كنت من أشد المتحمسين للفكرة ، أفتنقلب عليها لأن الطلاب أودعوك ثقتهم بك ، ومحبتهم لك ؟ . حتى لو أردنا الآن إجراء أي تعديل ، ماذا سيكون موقف الأساتذة ، والأهم ، ماذا سيكون موقف الطلبة أنفسهم ؟ . إنها ثقة يجب أن تعتز بها يا أستاذ عبدالرزاق لا أن تتخلى عنها .

 

 أقـرّ هنا أنني أسقط بيدي . ردّ مدير المدرسة كان متوازناً ومقنعا ً، وكان عليّ ـ كما قال أيضا ًـ أن افتخر بهذه الثقة العالية التي منحني إياها طلابي . .وبدأنا جميعا ًالعمل .

 

 سنوات طويلة بعد مندلي اشتغلت بالتعليم ، ما شهدت خلالها جميعا ًسنة بكل تلك المتعة ، ولا بمثل تلك الإنجازات السعيدة التي حققناها هناك ! .

 

 

 

 * * *

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 في مندلي

 

 

 

 ( 7 )

 

 

 

رسالة ومفاجأتان

 

 - آ -

 

~~~~~~~~~~

 

 المفاجأة الأولى هي الرسالة نفسها .

 

كنت في أحاديثي السابقة قد تحدثت عن آخر لقاء لي بمدير الأمن العام المرحوم بهجت العطية ، وكتبت حرفيا ًما قاله لي وهو يصافحني مودعا ً ، قال : إ سمع يا عبدالرزاق . خلال هذه الأشهر الأربعة التي بقيت تراجعني فيها أصبحنا أصدقاء . أتمنى لك التوفيق في عملك .. ولكن إياك أن تدعني أراك مرة ثانية ، لأنك عندئذٍ ستلعن اليوم الذي ولدت فيه ! . وتصافحنا ، وانصرفت .

 

 كنت خلال أشهر مراجعاتنا للأمن العامة قد كتبت قصيدة في عيد مرّ علينا أثناءها ، وأعطيتها للنشر في جريدة الجبهة الشعبية . كانت قصيدة ثائرة متفجرة بحكم تلك المعاناة الشديدة التي عانيناها بين الأمن العامة ، ووزارة المعارف ، والجبهة الشعبية المعارضة ، والتي كان كبار أعضائها كالشيخ محمد رضا الشبيبي ، وعبدالكريم الشيخلي ، وصادق البصام ، وعبدالرزاق الظاهر رحمهم الله ، يتوسطون لنا خلالها ـ لاسيما الشيخ الشبيبي الذي بقي طيلة تلك الفترة مواظبا ًعلى التوسط لنا بين وزارة المعارف والأمن العامة . شهور والقصيدة في جريدة الجبهة الشعبية دون أن تنشر.. ثم صدر أمر تعييني ، وجئت مدرساً إلى مندلي ، وإذا بالقصيدة تنشر بعد أيام من وصولي !

 

شهر ونيف وأنا لا أهدأ .. لماذا الآن ؟؟ .. وفي وسط الصفحة الأولى من الجريدة ، بالحرف البولد الأسود .. لماذا ؟؟ .

 

 ومرت أسابيع وأنا أمارس وظيفتي .. كدت أنسى خلالها موضوع القصيدة .. وفي صبيحة أحد الأيام ، في الدرس الأول ، جاءني الفراش إلى الصف .. أستاذ ..المدير يريدك . لا أدري وجهه ، أم صوته ، أم هواجسي أوحت لي بأن في الأمر ما لا تحمد عقباه . دخلت إلى غرفة المدير فناولني صامتا ً ظرفا ًطبع على زاويته العليا في اليمين { حكومة العراق } .. أحسست بقشعريرة سرت في كياني كله وأنا أفتح الظرف . فتحت الرسالة على عجل ، أول نظرة أسقطتها على الزاوية اليسـرى في أسـفلها .. التوقيع { أخوكم بهجت العطية } ! .

 

 عدت إلى الصف ولا أدري كيف أتممت ذلك الدرس . حين دق الجرس جئت إلى غرفة المدير الذي كان هو أيضاً قـلقاً بدوره. حالما دخلت سألني : خير؟ . قلت : لا أدري لأنني لم أقرأها حتى الآن . دعاني إلى الجلوس فجلست ، وفتحت الرسـالة.

 

 كانت رسالة بالغة التهذيب : أخي الكريم الأستاذ عبدالرزاق ..

 

ثم يسترسل بعدها سائلا ًعن صحتي ، وعن عملي ، وحياتي في مندلي ، إلى أن يقول : قد تستغرب إذا قلت لك إنني أهوى الشعر والأدب ، وأتتبع بإعجاب ما تكتبه من قصائد .. ثم يتمنى لي صحة جيدة ، ونجاحا ًفي حياتي المهنية ، ويختتم رسالته بقوله : " ودُم مخلصا ً للوطن " . أخوكم بهجت العطية .

 

 طويت الرسالة وناولتها إلى المدير الذي ربطتني به خلال هذه المدة القصيرة صداقة حميمة . . قرأها ثم أعادها إلى الظرف وناولني إياها وهو يقول : إبقَ معي نتحدث قليلا ًوسأكلف المدرسين ليشغلوا دروسك الباقية .

 

 في تلك الليلة سهرت أكتب رسالة جوابية لمدير الأمن العام بدأتها بنفس تعبيره : أخي الكريم الأستاذ بهجت .. ثم شكرته على سؤاله عن صحتي ، وتمنياته لي بالموفقية في عملي ، ولم أستطع أن أمنع نفسي من كتابة هذا السطر : لم أستغرب من إعجابك بالشعر والأدب لأنه من صميم عملك ، مع جزيل شكري على تتبعك لشعري ، وإعجابك به . واختتمت رسالتي بقولي : وسأبقى دائما ً مخلصا ً للوطن . أخوكم عبدالرزاق عبدالواحد .. ثم أرسلت الرسالة دون أن أبلغ المدير الذي لامني في اليوم التالي على عدم إطلاعه عليها .

 

 

 

 دنيا تـَعَثـَّرُ في مآسـيها يا ليتَ عندَكَ ما يواسيها

 

 أقبلْ فقد جُنـَّتْ مَصائبُها وتساقطتْ صَرعى أمانيها

 

 البؤسُ كفـَّنَ وَجهها فإذا ضحكتْ فبُهتانا ًوتـَمويها

 

 واليأسُ أطفأ كلَّ بارقـةٍ للضوءِ حتى تاهَ سـاريها